مرة أخرى يطل علينا شهر محرم الحرام وذكرى عاشوراء حيث تم إحياء هذه المناسبة منذ استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين (سلام الله عليه) إلى يومنا هذا ألفاً وعدة مئات من المرات، وفي كل مرة ينهل فيها محبو الإمام قيماً ومفاهيم جديدة من مدرسة عاشوراء الخالدة، وهو ما أبقى على قبس هذه الملحمة العظيمة مضيئاً يخطف الأبصار عبر العصور وجعل الأغيار يطأطئون رؤوسهم إجلالاً لعظمة صاحب الذكرى، والمؤمنين يتزودون من هذه المدرسة الغنية لدنياهم وأخراهم.
ولا ننسى بأن ذكرى عاشوراء مرت بمسيرة طويلة من التحوّلات، وأن التضحيات التي قدمها الأسلاف والوالهون بسيد الشهداء (سلام الله عليه) هي التي أوصلت إلينا هذه المدرسة العاشورائية المناهضة للظلم العريقة بأهدافها المقدسة، ولا يمكننا أن ندعي انتماءنا لهذه المدرسة ما لم نرخص الغالي والنفيس في سبيل تحقيق أهدافها العالية، وأن نسلّم هذه الأمانة الحسينية، السماوية، إلى الأجيال اللاحقة مصونة لا تشوبها شائبة، وفي الوقت نفسه فاعلة ومحفوظة من أي زيغ أو حرف، طبعاً إذا خلصت النوايا، وذابت المصالح الشخصية ليحل محلها تحقيق مرضاة الله عز وجل. وأولى مهام محبي أهل البيت (سلام الله عليهم) إعلاء شأن عاشوراء وثقافة عاشوراء، وبرامج عاشوراء، ومجالس عاشوراء، ومواكب عاشوراء وإحياء كل ما يتعلق بها ويخلد ذكراها.
ولا يخفى أنها مسألة محفوفة بالمشاق والصعاب، لكن مشاق عاقبتها الثواب الجزيل والأجر الجميل، فالذين قدموا في هذا الطريق الخدمات الجليلة للإمام الحسين سلام الله عليه، وتحملوا في سبيله العناء والعذاب سيسجل لهم ذلك بأحرف من نور في سفر التاريخ، وفي المقابل ستكتب أسماء الذين وجهوا أدنى إهانة لمواكب العزاء والمآتم الحسينية بأحرف من نار وهوان، أولئك الذين تصدوا لمراسيم العزاء على سيد الشهداء سلام الله عليه وصدرت عنهم عبارات من قبيل: «هذا ليس شأنك، اترك الأمر لهم»، أو الزوج الذي منع زوجته من المشاركة، والزوجة التي ثبطت من عزيمة زوجها، أو الأخ الذي منع أخاه، أو الجار الذي منع جاره، وبعبارة واحدة كل من وضع عقبة في طريق إقامة الشعائر الحسينية، كل ذلك سيسجل عليهم صغيراً كان أم كبيراً.
عاشوراء والخشية من عدل الله
ليس في أسماء الله تعالى ما يبعث على الخوف أو الصدود، فرحمته تعالى ورأفته ومغفرته وكل صفاته وأسمائه لا تحمل من معاني الخوف أو الرهبة شيئاً، ذكر في دعاء الجوشن الكبير ألف اسم من أسماء الرب جل وعلا وصفاته، ليس في أي منها ذرة خوف أو فزع عدا واحدة وهي صفة العدل، وثمة صفات أخرى وردت في الدعاء تدخل في السياق نفسه، وجميعها تصب في صفة العدل وعليه يجب الخشية من عدله سبحانه.
على سبيل المثال، إذا كان لنا أن نستبشر بميزان العدل الإلهي الذي لا يضيع مثقال ذرة من حسناتنا وأعمالنا الصالحة، فعلينا أن نتصور في المقابل ما سيكون عليه حال الإنسان المسيء لو كان الأمر كذلك في حساب السيئات، هذا مع علمنا بأن ليس في عقاب الله عز وجل يوم القيامة وقفة، وأنه خالد، وأن أسباب الهلاك والثبور من كل لون تصب على العاصي في ذلك اليوم، ومع ذلك لا يموت بل يذوق أشدّ أنواع العذاب.
فلو تأمل الإنسان قليلاً في وصف القرآن الكريم لجهنم وعذابها مثل قوله تعالى: {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت}، لأخل بنومه ربما وغير ذلك، فليس البائس من يبيت ليلته وهو جائع، أو من يقبع في غياهب الزنزانات ويذوق أشد أنواع التعذيب، لأن ذلك كله إلى أجل معلوم ثم بعدها يشبع الجائع ويتحرر السجين، إنما البائس هو من حكم الله تعالى عليه بالعدل وحاسبه على سيئاته، يوم تعرض صحيفة أعمال الخلائق على الله تعالى، فلا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة، عندها يفوز الذين ثقلت موازينهم.
ومنهم أولئك الذين تفانوا في خدمة مجالس الإمام الحسين (سلام الله عليه) وكان محفّزهم في كل ما بذلوا من جهد وتضحية هو خدمة الإمام سلام الله عليه، فإن لمواكب العزاء الحسينية منزلة رفيعة ومقاماً سامياً جعلت جهابذة العلماء وكبار الوجهاء يفخرون بالمشاركة فيها أيما افتخار.
على سبيل المثال، تقام سنوياً في مدينة كربلاء المقدسة وفي يوم عاشوراء بالتحديد مراسيم عزاء تعرف بعزاء طويريج، وكان السيد بحر العلوم مواظباً على المشاركة فيها، وكان يقول بأنه قد شاهد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بين صفوف المعزين، كان العمل بهذه المراسيم مستمراً في كربلاء حتى مكوثنا فيها أي قبل حوالي ٣٣ سنة، حيث كان يشارك فيها الآلاف، مهرولين حفاة وضاربين بأيديهم على رؤوسهم ووجوههم، ولقد رأيت مرات عديدة مراجع كبار وهم يؤدون هذه المراسيم مع الجموع المهرولة، كما كان يشارك فيها بعض الوزراء والوكلاء والأعيان، هؤلاء لم يكونوا يفعلون ذلك حتى في مجالس عزاء آبائهم، ولم يكونوا ليجزعوا هذا الجزع حتى لو فقدوا أموالهم وثرواتهم فهنيئاً لهم ثم هنيئاً.
من كتاب عاشوراء دروس وعبر، تأليف سماحة السيد صادق الشيرازي (دام ظله)








اضافةتعليق
التعليقات