كل إنسان يستطيع أن يكون أبا، غير أنه ليس كل إنسان يستطيع أن يكون مربيا واعيا على قدر المسئولية المناطة به، لذلك من السمات الواجب توافرها في شخصية الأب المؤثر، غير أننا يجب أن نتعرض إلى لبس هام يحدث لكثير من الآباء وهو الخلط بين الرعاية والتربية، فرعايتي لولدي تعني توفير الملبس والمأكل وسبل الحياة الطيبة له، أما تربيتي إياه فتعني تعليمه الخطأ والصواب والحلال والحرام، ما لا يصح وما يفترض به أن يفعله.
لكننا وللأسف نسمع كثيرا من الآباء وقد صدمهم المستوى الخلقي لأبنائهم بقولهم: لقد فعلت لهم ما لم يفعله كل أب، وفرت له سبل الراحة والحياة الكريمة، أدخلته أرقى المدارس وأعطيته ما يبتغيه من مال، فلماذا يخيب ظني به؟.
ظن ذلك الأب المسكين أن هذه الأموال أسقطت من عليه فريضة التربية ولم يدرك أن قلبه وأذنه ووقته ضن بهم على ولده وهم أهم من المال والملبس والمأكل بمئات المرات، وهذه الصفات نستطيع أن نلخصها جميعها في عبارة واحدة: (يجب أن يتمتع الأب الناجح في الأساس بفطرة سليمة)، هذه الفطرة التي تميز - وبلا اهتزاز - الجميل من القبيح، والشر من الخير والحق من الباطل.
تلك الفطرة التي تؤمن بما لديها، وأن الحق الذي تربت عليه أقوى من قوى الباطل مجتمعة، وأنه لا سبيل مهما ازداد العالم قسوة وتعقيدا إلا سبيل التربية الإسلامية تحتمي فيه وتتخذه مسلكا وهذه جملة من الصفات الأخرى التي خلص إليها أساتذة التربية، ورأوا أهمية تحلي المربي بها .
1- يجب أن يحس الابن أن الأب أعلى منه وأنه منه -بالطبيعة في موقف الآخذ المتلقي:
وهذه حقيقة نفسية تعمل عملها في النفوس، ولذلك نجد أنه في السنوات الأولى من عمر الطفل تسهل التربية لأن شخصية الأب تكون بالطبيعة أكبر من شخصية الطفل، لكن المشاكل تبدأ حين يدخل الابن مرحلة المراهقة لأن الطفل كلما يكبر يحتاج أن يرى أبا أعلى منه، وهنا يسقط بعض الآباء في الاختبار إما لأن شخصياتهم ليست أكبر من شخصية أبنائهم بالقدر الكافي، وإما لأنها ليست أكبر منهم على الإطلاق، بل يحدث في أحيان نادرة أن يحس الطفل الكبير أن شخصيته أكبر من شخصية والديه، وهنا يرفض التلقي منهما ويتمرد عليهما.
2- يجب أن يحس الابن أن لدى أبيه ما يقدمه له:
وإلا لن يكون للأب التأثير الفعال في نفسية الابن، وسيبحث عمن يتلقى منه، وليس معنى ذلك أن يكون على الأب أن يوفر للابن لكل سؤال جوابا، لكن يجب أن يمتلك الأب رصيدا من التجارب الشخصية والمعلومات التربوية التي يعطيها لولده، كذلك يجب أن يعلم الأب الخصائص النفسية لولده حتى يكون ملما باحتياجات طفله، وكثيرا ما يقع الأب في هذا الخطأ فنراه يشتد على ولده في سنينه الأولى وهي سنين اللعب والتدليل، ويصادقه ويفرط في الثقة فيه في سنوات يجب أن تكون سنوات توجيه وتربية، ويحاول أن يجرب كل الوسائل في فترة المراهقة فيفشل فشلا ذريعا، وهذا يجعل الابن غير واثق من أن أبيه لديه ما يقدمه له، وأنه يجرب معه وعليه ما يراه أو يقرأه أو يسمعه من الغير.
3- يجب أن يكون الأب حسن العطاء:
فوجود ما ستقدمه لطفلك لن يجدي إذا لم تقدمه بأسلوب حسن طيب، يجب أن تقدمه بأسلوب الترغيب لا الترهيب، والضمان الأول لذلك هو الحب، فما لم يشعر الطفل أن أبيه يحبه ويحب له الخير، فلن يقبل على التلقي منه ولو أيقن أن عنده الخير كله، بل لو أيقن أنه لن يجد الخير إلا عنده وأي خير يمكن أن يتسم بغير حب.
4- أن يكون مقدرا لمكانة التربية:
يقول الكاتب الأمريكي دوج باين في كتابه: إنها عملية ليست معقدة لقد وجدت أن الأشخاص العاديين البسطاء الذين لم يتلقوا تعليما لكنهم أخذوا مهمة تنشئة أطفالهم على محمل الجد كان لهم سجل حافل بالنجاح في تربية أطفالهم.
إن كثيرا من الآباء لا يربون أبناءهم، ليس لأنهم لا يمتلكون الوقت الكافي أو لأنهم تنقصهم النية الصادقة، أو أن حبهم لأبنائهم ليس كبيرا، لا، أنا مؤمن بأن كل الآباء الطبيعيين يحبون أبناءهم ويملكون تجاههم نوايا حسنة طيبة، لكنهم وهذه هي الحقيقة لا يريدون أن يتعبوا أنفسهم فالتربية تحتاج إلى التعب والتفاني والإخلاص، وهذا ما لا يقدر عليه سوى القلة القليلة، وهل يوجد شيء في الكون يستحق أن تتعب من أجله كتربيتك لأبنائك؟ هل هناك إنجاز يساوي نجاحك في تربية رجل صالح أو امرأة فاضلة يلاحقونك بالتكريم حيا والرحمات ميتا.
إن التربية جزء من الكدح المكتوب على البشرية أن تكدحه في الأرض ولكن هذا الجهد يكون محببا إلى النفس حين يرى الإنسان ثمار الجني، ويراها قريبة المنال.








اضافةتعليق
التعليقات