• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

زينب شاكر السماك / الخميس 13 آب 2026 / تربية / 415
شارك الموضوع :

وربما لهذا السبب يشعر الزائر في حرم الإمام الرضا عليه السلام بمزيج عجيب من السكينة والحزن

في رحاب الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، لا يشعر الزائر أنه دخل مكاناً يضم ضريحاً فحسب، بل يحس وكأنه عبر بوابةً إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ تتداخل فيه الأرض بالسماء، ويصبح فيه الصمت أبلغ من الكلام، وتغدو الدموع أسرع من الحروف إلى التعبير عمّا يختلج في القلب. هناك، في حضرة من لُقِّب بـ«أنيس النفوس»، يدرك الإنسان أن الزيارة ليست خطواتٍ تقطعها الأقدام بين أبواب الحرم وأروقته، بل رحلةٌ يخوضها القلب في أعماقه حتى يبلغ شاطئ الطمأنينة.

ولعل أكثر ما يدهشني أن هذا الشعور لا يفقد جدّته مهما تكررت الزيارة؛ ففي كل مرة أتشرف فيها بالقدوم إلى الإمام الرضا عليه السلام، أشعر أن زيارتي لا تنتهي عند السلام، ولا تكتمل بقراءة الزيارة وأداء الصلاة، بل تبدأ بعد ذلك بلحظاتٍ أخرى أكثر هدوءاً وصدقاً. شيءٌ خفيّ يدفعني دائماً إلى البقاء، إلى الجلوس بصمت في إحدى زوايا الحرم، وكأن قلبي يحتاج إلى خلوةٍ خاصة مع الإمام؛ خلوةٍ لا يكثر فيها الكلام، لأن بعض المشاعر أصدق من أن تُقال، وبعض الآلام أعمق من أن تصفها العبارات.

أجلس هناك طويلاً، لا أطلب شيئاً محدداً، ولا أرتب دعائي بعبارات محفوظة، بل أترك قلبي يتحدث بلغته الخاصة، وأشعر وكأن الإمام يسمع ما تعجز الكلمات عن حمله. ومع مرور الدقائق يبدأ ضجيج الحياة بالابتعاد شيئاً فشيئاً؛ تتلاشى الأصوات التي كانت تملأ الرأس، وتخفّ الأثقال التي كانت تستقر على الصدر، حتى أكاد ألمس السكينة وهي تنساب إلى داخلي بهدوءٍ لا يشبه أي هدوء عرفته في مكان آخر.

وربما لهذا السبب استحق الإمام الرضا عليه السلام لقب «أنيس النفوس»؛ لأنه لا يواسي الأجساد فحسب، بل يربت على الأرواح المتعبة، ويمنح القلوب شعوراً بالأمان لا تصنعه الدنيا بكل ما فيها. فكم من زائر دخل حرمَه مثقلاً بالهموم، ثم خرج منه أخفّ قلباً، وأكثر يقيناً، وكأن الإمام أعاد إلى روحه شيئاً كانت الحياة قد سرقته منها.

وفي إحدى تلك الزيارات، قادتني قدماي إلى القبو الشريف. لم أكن أقصد اكتشاف شيء بعينه، بل كنت أبحث عن مزيدٍ من القرب والسكينة. وهناك، وبين هدوء المكان وهيبته، استوقفتني الألوان والزخارف المحيطة بالمقام الشريف، فإذا بي أنتقل من تأمل الصمت إلى تأمل الجمال، ومن الإصغاء إلى القلب إلى قراءة المعاني المخبأة في زرقة السماء وبريق الذهب وسكينة التفاصيل التي تحيط بضريح غريب الغرباء، الإمام الرضا عليه السلام.

ظللت أحدق فيها طويلاً، وشعرت أن اللون الأزرق في السقف لم يُختر عبثاً، بل ليحمل شيئاً من سكينة الإمام وطمأنينته. ذلك الهدوء الذي يشعر به كل زائر، حتى وإن جاء مثقلاً بالهموم. أما الذهب، فقد بدا وكأنه يروي عظمة هذا الإمام الذي جمع بين العلم والحلم والكرم، حتى صار قبلةً للقلوب قبل أن يكون قبلةً للزائرين.

ثم انتقلت عيناي إلى لوحة أخرى امتزج فيها الأسود مع البيج والذهب، فوجدتني أغوص أكثر في المعنى. شعرت أن الأسود يرمز إلى الثبات في وجه الظلم، وإلى المواقف التي لا تتبدل مهما تغيرت الظروف، وكأنه يحكي قصة الإمام الرضا عليه السلام مع المأمون العباسي، حين أراد أن يجعل من ولاية العهد وسيلة لتجميل حكمه، لكن الإمام بقي إماماً للحق، لا أسيراً للسلطان. أما البيج، بلونه الهادئ، فذكرني بتواضعه وقربه من الناس، حتى إن التاريخ يحدثنا عن إمام كان يجلس مع الفقراء، ويؤاكلهم، ويعامل الجميع بوجه واحد وقلب واحد، فلا يرى لنفسه فضلاً إلا بما يقربه من الله.

كلما تأملت تلك الألوان، شعرت بأنها كانت لغة صامتة تحكي شخصية الإمام (عليه السلام) هناك من يكتب السيرة بالحروف، وهناك من يكتبها بالألوان، وقد قرأت في تلك الزخارف ما لم أقرأه في كثير من الكتب.

لكن شيئاً آخر تسلل إلى قلبي وأنا أتأمل المكان. تذكرت أن صاحب هذا الجمال، وصاحب هذه السكينة، انتهت حياته شهيداً مسموماً. أي مفارقة مؤلمة! رجل ملأ الدنيا رحمةً وعلماً، يُغتال غريباً بعيداً عن مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن الطغاة خافوا من نور الحق أكثر مما خافوا من السيوف.

وربما لهذا السبب يشعر الزائر في حرم الإمام الرضا عليه السلام بمزيج عجيب من السكينة والحزن. سكينةٌ لأنه في حضرة ولي من أولياء الله، وحزنٌ لأنه يتذكر حجم الظلامة التي لحقت بأهل بيت النبوة عليهم السلام. ومع ذلك، فإن هذا الحزن لا يورث انكساراً، بل يمنح القلب يقيناً بأن دماء الشهداء لا تموت، وأن الله يرفع ذكر أوليائه مهما حاول الظالمون إخفاء نورهم.

خرجت من تلك الجلسة وأنا على يقين أنني لم أكن أتأمل زخارف فحسب، بل كنت أقرأ رسالة. رسالة تقول إن الجمال إذا اقترن بالإيمان يصبح عبادة، وإن الألوان تستطيع أن تروي سيرة إمام كما ترويها الكتب، وإن الإمام الرضا عليه السلام ما زال، بعد أكثر من ألف عام على استشهاده، يؤنس النفوس كما كان يؤنسها في حياته.

ولهذا، في كل مرة أغادر فيها مشهده الشريف، أقول في نفسي: سأعود. ليس لأن الزيارة انتهت، بل لأن القلب لا يكتفي من الجلوس مع الإمام الرضا عليه السلام، ولأن هناك في حضرته سلاماً لا أجده في أي مكان آخر.

الشيعة
الإمام الرضا
الايمان
الحب
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/
    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    الأحد 05 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    الشاي.. يقي من السرطان ويقوي المناعة

    النشر : الثلاثاء 09 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    هل المقلاة الهوائية طريقة صحية للقلي؟

    النشر : الأحد 11 شباط 2024
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    التضخم الأكاديمي: وجود الطاقات الفكرية وتضاؤل فرص العمل

    النشر : الأحد 30 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    الرعاية الصحية النفسية للجميع.. لنجعل هذا الشعار واقعاً!

    النشر : الأحد 10 تشرين الاول 2021
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    كما ينتشر المرض… تنتشر المأساة: من الجسد إلى البقيع

    النشر : الأثنين 30 آذار 2026
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    التهاب الأسناخ التحسسي خارجي المنشأ

    النشر : الخميس 10 تشرين الاول 2024
    اخر قراءة : منذ 49 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 482 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 316 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 313 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 298 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 298 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 297 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1057 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1019 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1003 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 958 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 798 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 714 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • منذ 20 ساعة
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • منذ 20 ساعة
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • منذ 20 ساعة
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة