• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

زينب شاكر السماك / منذ 2 ساعة / تربية / 222
شارك الموضوع :

وربما لهذا السبب يشعر الزائر في حرم الإمام الرضا عليه السلام بمزيج عجيب من السكينة والحزن

في رحاب الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، لا يشعر الزائر أنه دخل مكاناً يضم ضريحاً فحسب، بل يحس وكأنه عبر بوابةً إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ تتداخل فيه الأرض بالسماء، ويصبح فيه الصمت أبلغ من الكلام، وتغدو الدموع أسرع من الحروف إلى التعبير عمّا يختلج في القلب. هناك، في حضرة من لُقِّب بـ«أنيس النفوس»، يدرك الإنسان أن الزيارة ليست خطواتٍ تقطعها الأقدام بين أبواب الحرم وأروقته، بل رحلةٌ يخوضها القلب في أعماقه حتى يبلغ شاطئ الطمأنينة.

ولعل أكثر ما يدهشني أن هذا الشعور لا يفقد جدّته مهما تكررت الزيارة؛ ففي كل مرة أتشرف فيها بالقدوم إلى الإمام الرضا عليه السلام، أشعر أن زيارتي لا تنتهي عند السلام، ولا تكتمل بقراءة الزيارة وأداء الصلاة، بل تبدأ بعد ذلك بلحظاتٍ أخرى أكثر هدوءاً وصدقاً. شيءٌ خفيّ يدفعني دائماً إلى البقاء، إلى الجلوس بصمت في إحدى زوايا الحرم، وكأن قلبي يحتاج إلى خلوةٍ خاصة مع الإمام؛ خلوةٍ لا يكثر فيها الكلام، لأن بعض المشاعر أصدق من أن تُقال، وبعض الآلام أعمق من أن تصفها العبارات.

أجلس هناك طويلاً، لا أطلب شيئاً محدداً، ولا أرتب دعائي بعبارات محفوظة، بل أترك قلبي يتحدث بلغته الخاصة، وأشعر وكأن الإمام يسمع ما تعجز الكلمات عن حمله. ومع مرور الدقائق يبدأ ضجيج الحياة بالابتعاد شيئاً فشيئاً؛ تتلاشى الأصوات التي كانت تملأ الرأس، وتخفّ الأثقال التي كانت تستقر على الصدر، حتى أكاد ألمس السكينة وهي تنساب إلى داخلي بهدوءٍ لا يشبه أي هدوء عرفته في مكان آخر.

وربما لهذا السبب استحق الإمام الرضا عليه السلام لقب «أنيس النفوس»؛ لأنه لا يواسي الأجساد فحسب، بل يربت على الأرواح المتعبة، ويمنح القلوب شعوراً بالأمان لا تصنعه الدنيا بكل ما فيها. فكم من زائر دخل حرمَه مثقلاً بالهموم، ثم خرج منه أخفّ قلباً، وأكثر يقيناً، وكأن الإمام أعاد إلى روحه شيئاً كانت الحياة قد سرقته منها.

وفي إحدى تلك الزيارات، قادتني قدماي إلى القبو الشريف. لم أكن أقصد اكتشاف شيء بعينه، بل كنت أبحث عن مزيدٍ من القرب والسكينة. وهناك، وبين هدوء المكان وهيبته، استوقفتني الألوان والزخارف المحيطة بالمقام الشريف، فإذا بي أنتقل من تأمل الصمت إلى تأمل الجمال، ومن الإصغاء إلى القلب إلى قراءة المعاني المخبأة في زرقة السماء وبريق الذهب وسكينة التفاصيل التي تحيط بضريح غريب الغرباء، الإمام الرضا عليه السلام.

ظللت أحدق فيها طويلاً، وشعرت أن اللون الأزرق في السقف لم يُختر عبثاً، بل ليحمل شيئاً من سكينة الإمام وطمأنينته. ذلك الهدوء الذي يشعر به كل زائر، حتى وإن جاء مثقلاً بالهموم. أما الذهب، فقد بدا وكأنه يروي عظمة هذا الإمام الذي جمع بين العلم والحلم والكرم، حتى صار قبلةً للقلوب قبل أن يكون قبلةً للزائرين.

ثم انتقلت عيناي إلى لوحة أخرى امتزج فيها الأسود مع البيج والذهب، فوجدتني أغوص أكثر في المعنى. شعرت أن الأسود يرمز إلى الثبات في وجه الظلم، وإلى المواقف التي لا تتبدل مهما تغيرت الظروف، وكأنه يحكي قصة الإمام الرضا عليه السلام مع المأمون العباسي، حين أراد أن يجعل من ولاية العهد وسيلة لتجميل حكمه، لكن الإمام بقي إماماً للحق، لا أسيراً للسلطان. أما البيج، بلونه الهادئ، فذكرني بتواضعه وقربه من الناس، حتى إن التاريخ يحدثنا عن إمام كان يجلس مع الفقراء، ويؤاكلهم، ويعامل الجميع بوجه واحد وقلب واحد، فلا يرى لنفسه فضلاً إلا بما يقربه من الله.

كلما تأملت تلك الألوان، شعرت بأنها كانت لغة صامتة تحكي شخصية الإمام (عليه السلام) هناك من يكتب السيرة بالحروف، وهناك من يكتبها بالألوان، وقد قرأت في تلك الزخارف ما لم أقرأه في كثير من الكتب.

لكن شيئاً آخر تسلل إلى قلبي وأنا أتأمل المكان. تذكرت أن صاحب هذا الجمال، وصاحب هذه السكينة، انتهت حياته شهيداً مسموماً. أي مفارقة مؤلمة! رجل ملأ الدنيا رحمةً وعلماً، يُغتال غريباً بعيداً عن مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن الطغاة خافوا من نور الحق أكثر مما خافوا من السيوف.

وربما لهذا السبب يشعر الزائر في حرم الإمام الرضا عليه السلام بمزيج عجيب من السكينة والحزن. سكينةٌ لأنه في حضرة ولي من أولياء الله، وحزنٌ لأنه يتذكر حجم الظلامة التي لحقت بأهل بيت النبوة عليهم السلام. ومع ذلك، فإن هذا الحزن لا يورث انكساراً، بل يمنح القلب يقيناً بأن دماء الشهداء لا تموت، وأن الله يرفع ذكر أوليائه مهما حاول الظالمون إخفاء نورهم.

خرجت من تلك الجلسة وأنا على يقين أنني لم أكن أتأمل زخارف فحسب، بل كنت أقرأ رسالة. رسالة تقول إن الجمال إذا اقترن بالإيمان يصبح عبادة، وإن الألوان تستطيع أن تروي سيرة إمام كما ترويها الكتب، وإن الإمام الرضا عليه السلام ما زال، بعد أكثر من ألف عام على استشهاده، يؤنس النفوس كما كان يؤنسها في حياته.

ولهذا، في كل مرة أغادر فيها مشهده الشريف، أقول في نفسي: سأعود. ليس لأن الزيارة انتهت، بل لأن القلب لا يكتفي من الجلوس مع الإمام الرضا عليه السلام، ولأن هناك في حضرته سلاماً لا أجده في أي مكان آخر.

الشيعة
الإمام الرضا
الايمان
الحب
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/
    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    الأحد 05 تموز 2026/
    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    الأثنين 29 حزيران 2026/
    أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

    أنا كربلاء… ذاكرة الدم والخلود

    الخميس 18 حزيران 2026/
    صناعة المحتوى… حين تتحول الفكرة الصغيرة إلى وطن كامل

    صناعة المحتوى… حين تتحول الفكرة الصغيرة إلى وطن كامل

    الثلاثاء 09 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    من المدينة إلى خراسان.. رحلة الإمام الرضا وحديث السلسلة الذهبي

    الذكاء الاصطناعي يصمم فيروسات لم تعرفها الطبيعة.. إنجاز علمي يثير مخاوف بيولوجية

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    الأدب مع رسول الله.. بين تعظيم النبوّة ورزية الخميس

    الإثنين الدامع وفاتحة الرزايا

    استشهاد النبي محمد: قراءة فلسفية وتربوية في معنى الفقد واستمرار الرسالة

    آخر القراءات

    من جنان الهدى

    النشر : الأربعاء 04 نيسان 2018
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    الرجال الذين يتناولون الزبادي أقل عرضة لسرطان القولون

    النشر : الأحد 07 تموز 2019
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    كيف نحمي بشرتنا من اضرار مساحيق التجميل؟

    النشر : الأربعاء 19 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    الثراء .. نعمة أم نقمة ؟

    النشر : الأربعاء 10 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    المؤمن الرجبي وقيمة العطاء

    النشر : الثلاثاء 24 آذار 2020
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    التدريبات الرياضية ترتبط بتحسن الحالة النفسية

    النشر : السبت 25 آب 2018
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 676 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 635 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 500 مشاهدات

    التقرير الاعلامي للمجلس العزائي للهيئة الزينبية التابعة لحوزة كربلاء النسوية

    • 471 مشاهدات

    الأدب مع رسول الله.. بين تعظيم النبوّة ورزية الخميس

    • 428 مشاهدات

    عالم متعدّد بقلب واحد نحو الحسين

    • 293 مشاهدات

    نِداء اليقين

    • 1150 مشاهدات

    أعد تنظيم عدستك.. ورشة ثقافية تبحث تأثير المجاهر النفسية في حياة الإنسان

    • 830 مشاهدات

    صدى الكبدِ المقطّعة: مأساةُ السبطِ في طشتِ الغدر

    • 678 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 676 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 635 مشاهدات

    السيدة رقية: درسُ العشق في مدرسةِ الصبر

    • 593 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس
    • منذ 2 ساعة
    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير
    • منذ 2 ساعة
    من المدينة إلى خراسان.. رحلة الإمام الرضا وحديث السلسلة الذهبي
    • منذ 2 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يصمم فيروسات لم تعرفها الطبيعة.. إنجاز علمي يثير مخاوف بيولوجية
    • منذ 2 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة