في وقتٍ تتزامن فيه الاستعدادات المدرسية مع أعباء مناسبات ومواسم متتالية أنهكت جيوب الأسرة العراقية وأثقلت كاهل ميزانيتها، فبين قرطاسية وملابس وحقائب وأحذية، تقف العائلات أمام قائمة طويلة من الاحتياجات التي لا تنتهي، حيث لم تعد العودة إلى المدرسة مجرد حدث سنوي ينتظره الأطفال بشغف، بل أصبح بالنسبة إلى كثير من الآباء والأمهات اختباراً جديداً لقدرتهم على تدبير شؤون الأسرة وتوفير احتياجات أبنائهم، خصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من العراقيين.
فبعد تجهيزات شهر محرم الحرام وما تحتاجه من شراء الملابس السوداء، يأتي العام الدراسي حاملاً معه الكثير والكثير من المستلزمات، لتجد الأسرة نفسها أمام مصاريف متراكمة لا تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس، فتعود إلى البداية.
وتلجأ العوائل إلى القرض كوسيلة لتخفيف أعباء مصاريف الدراسة. وأمام هذا الواقع، اضطرت بعض الأسر إلى التعامل مع أبنائها بطريقة مختلفة، منها الاكتفاء الذاتي وعدم التبذير، ورغم أن هذا الإجراء قد يخفف شيئاً من العبء عن الوالدين، إلا أنه يأتي أحياناً على حساب فرحة الطفل.
وفي أسر أخرى، وجد الأبناء أنفسهم أمام خيار صعب بعدما لم تعد الميزانية تسمح بتوفير قسط الدراسة ومستلزمات المدرسة معاً. ولمواجهة المصاريف الكبيرة دفعة واحدة، لجأت بعض العائلات إلى ما يشبه نظام «الدور»، من خلال تقسيم احتياجات الأبناء على مراحل، فتُشترى مستلزمات بعض الأبناء أولاً، ثم ينتقل الدور إلى الآخرين بحسب الإمكانيات المادية.
كما تعتمد بعض الأسر على إعادة استخدام الملابس والأحذية بين الأبناء، فقميص الابن الأكبر ينتقل إلى الأصغر، وحذاء الابنة الكبيرة يصبح من نصيب أختها الصغرى، في محاولة لتقليل النفقات والاستفادة من كل ما هو متاح.
فالأب والأم لا يحاولان التوفير من باب التقصير، وإنما لأن الدخل لم يعد قادراً على مواكبة كثرة المتطلبات.
"العام الدراسي لم يعد عام دراسي، أصبح جهاز عرس"
ويقول السيد أحمد لموقع "بشرى حياة":
«لم نعد نتمكن من مصاريف الأولاد والمتطلبات القاسية حتى نستقبل عاماً دراسياً جديداً، نجهز كل شيء مثلما يجهز العرس من ملابس ومستلزمات وأحذية وحقائب، إضافة إلى القسط المدرسي وأجرة النقل، والمشكلة ليست في البضاعة، بل في اختيارات الأبناء ومتطلباتهم وذوقهم، ونظرهم إلى ما هو فوق، مما يجعلنا نخجل أن نقول لهم لا، فنضطر إلى الاقتراض أو الشراء بالدين».
وفي حديث آخر، قالت السيدة لبنى إياد إن الأسرة تكون قد استنزفت جزءاً كبيراً من دخلها في مناسبات ومواسم متتالية، حتى يأتي العام الدراسي ليضيف عبئاً جديداً على ميزانية الأسرة، واستغلال المحلات التجارية في ارتفاع الأسعار من دون رقابة صارمة.
ارتفاع الأسعار.. العبء الأكبر
أما السيد باقر محمد، موظف في القطاع الصحي، فيضع «ارتفاع الأسعار» في مقدمة الأسباب التي تجعل الموسم الدراسي أكثر صعوبة، ويقول:
«نعيش حالياً أوضاعاً مادية صعبة بسبب قلة الرواتب وتأخيرها وارتفاع أسعار السلع والبضائع في الأسواق، لذلك يشكل العام الدراسي عبئاً إضافياً بعد مصاريف الإيجار الشهري والواجبات التي لا تنتهي، ولا أملك ميزانية تكفيني، والمدرسة على الأبواب، لكنني وعدتهم بأن أعوضهم في الأيام القادمة».
من خلال هذا التحقيق نجد بعض الأسر تجد في البسطات والأسواق الشعبية خياراً مناسباً، والتسوق أون لاين والبثوث الإلكترونية خياراً آخر بسبب انخفاض بعض أسعارها وتنوع البضائع فيها، فيما يحاول آخرون الاستفادة من الملابس والمستلزمات المتوفرة لديهم من الأعوام السابقة.
كيف نحافظ على ميزانية الأسرة؟
أجابت الدكتورة فاطمة الوائلي: الحل الأمثل أمام هذه الضغوط هو التخطيط المسبق وتنظيم المصروف، ومن أهم الوسائل التي تساعد الأسرة على تجاوز الموسم الدراسي بأقل الأعباء الممكنة.
ومن النصائح التي يمكن للأسر اتباعها منها:
ـ وضع ميزانية محددة للموسم الدراسي والالتزام بها قدر الإمكان.
ـ شراء الضروريات جداً أولاً، وتأجيل الكماليات إلى وقت لاحق.
ــ البحث عن العروض والأسواق التي توفر مستلزمات جيدة بأسعار مناسبة.
ـ عدم شراء كميات تفوق حاجة الأبناء لمجرد تلبية طلبهم.
ـ الاتفاق مع الأبناء مسبقاً على نوع الملابس والمستلزمات المناسبة للميزانية.
اختيار الأسعار التي تتناسب مع قدرة الأسرة، بعيداً عن المقارنة مع الآخرين.
وفي ختام حديثها قالت: علّموا أبناءكم نعمة القناعة.
ويبقى دور الأسرة مهماً في غرس القناعة والتواضع في نفوس الأبناء، وتعليمهم شكر الله على النعم وعدم التباهي بما يملكون، إلى جانب تعويدهم على مساعدة المحتاجين، فهناك طفل يملك كل ما يحتاجه، وآخر قد يقف عاجزاً أمام حقيبة أو قميص أو دفتر بسيط.
وتبقى مساعدة الأيتام والفقراء من أجمل صور التكافل الاجتماعي، فربما كان ما نراه شيئاً بسيطاً، لذلك تبرعوا بالفائض من الملابس والقرطاسية، وساهموا بما تستطيعون، وكونوا سبباً في فرحة طفل يتيم أو عائلة متعففة.








اضافةتعليق
التعليقات