يُعد التعرق من الوظائف الطبيعية التي يؤديها الجسم للمساعدة في تنظيم درجة حرارته، إلا أن الرائحة التي تصاحبه قد تصبح مشكلة مزعجة لدى بعض الأشخاص، خصوصاً خلال فصل الصيف أو عند ممارسة الرياضة. والمفارقة أن العرق في حد ذاته لا يكون عادةً ذا رائحة قوية، وإنما تنشأ الرائحة نتيجة تفاعله مع الكائنات الدقيقة الموجودة بصورة طبيعية على سطح الجلد.
وتختلف رائحة الجسم من شخص إلى آخر تبعاً لعوامل متعددة، من بينها طبيعة البكتيريا الموجودة على الجلد، والهرمونات، والعوامل الوراثية، والتوتر، والنشاط البدني، إضافة إلى بعض الأطعمة والأدوية.
كيف تتكون رائحة العرق؟
يضم الجسم أنواعاً مختلفة من الغدد العرقية. فهناك غدد منتشرة في معظم أنحاء الجسم وتتمثل وظيفتها الأساسية في المساعدة على تبريده، بينما تتركز غدد أخرى، تعرف بالغدد المفترزة، في مناطق مثل الإبطين، وتنتج إفرازات تحتوي على مركبات يمكن للبكتيريا الموجودة على الجلد تحليلها.
وخلال عملية تفكيك هذه المركبات تتشكل مواد مسؤولة عن الرائحة المميزة للعرق، وهو ما يفسر اختلاف شدة الرائحة بين الأشخاص حتى في حال تساوي كمية التعرق لديهم.
وأشارت دراسة نشرت عام 2026 في مجلة "Frontiers in Microbiology" إلى وجود اختلافات في تركيبة البكتيريا الموجودة في منطقة الإبط بين الأشخاص الذين يعانون رائحة إبطيْن واضحة وأولئك الذين لا يعانونها. وشملت الدراسة 60 شخصاً، بواقع 30 مشاركاً من كل مجموعة، ووجد الباحثون زيادة في بعض أنواع البكتيريا المرتبطة بإنتاج الروائح لدى المجموعة التي تعاني المشكلة.
خطوات تساعد في تقليل الرائحة
يمكن الحد من رائحة العرق من خلال مجموعة من الإجراءات اليومية البسيطة، أبرزها المحافظة على نظافة منطقة الإبط والاستحمام بانتظام، ثم تجفيف الجلد جيداً لتقليل الرطوبة التي تساعد على نمو البكتيريا.
كما يُنصح بتغيير الملابس بعد التعرق، خصوصاً الملابس الملاصقة للجسم، بينما قد تساعد إزالة شعر الإبط لدى بعض الأشخاص في تقليل احتباس الرطوبة والإفرازات.
ومن المهم أيضاً التمييز بين مزيل العرق ومضاد التعرق. فمزيل العرق يركز بصورة أساسية على تقليل أو إخفاء الرائحة، في حين يعمل مضاد التعرق على تقليل كمية العرق التي تصل إلى سطح الجلد، ولذلك قد يكون الخيار الأنسب للأشخاص الذين يعانون التعرق الزائد.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يساهم تجنب محفزات معينة، مثل الأطعمة الحارة والكافيين، في تقليل التعرق لدى الأشخاص الذين يلاحظون ارتباط المشكلة بهذه العوامل.
ماذا يحدث عندما لا تنجح الحلول المعتادة؟
إذا كانت الرائحة شديدة أو مستمرة رغم الاهتمام بالنظافة واستخدام مضادات التعرق، فقد تكون هناك حاجة إلى تقييم طبي لمعرفة السبب.
وفي الحالات التي يرتبط فيها الأمر بفرط التعرق، يمكن للطبيب مناقشة خيارات علاجية مختلفة، من بينها حقن سم البوتولينوم "البوتوكس"، وبعض التقنيات التي تستهدف الغدد العرقية باستخدام الطاقة الحرارية أو الموجات الدقيقة، وفي حالات محددة قد يتم اللجوء إلى تدخلات جراحية.
وأظهرت دراسة عشوائية نشرت عام 2024 مقارنة بين حقن سم البوتولينوم من النوع "أ" والعلاج الحراري بالموجات الدقيقة لدى المصابين بفرط تعرق الإبط الأولي. ووجد الباحثون أن كلا العلاجين ساعد في خفض التعرق، مع استمرار تأثير العلاج بالموجات الدقيقة في تقليل الرائحة بصورة أفضل خلال فترة المتابعة التي امتدت إلى عام.
ومع ذلك، لا يوجد علاج واحد يضمن التخلص من رائحة العرق بشكل نهائي لدى الجميع، لأن التعرق والبكتيريا الموجودة على الجلد جزء طبيعي من وظائف الجسم. لذلك، يتمثل الهدف الطبي في السيطرة على الرائحة والتعرق ومعالجة السبب عندما يكون غير طبيعي.
التعرق.. وظيفة ضرورية للجسم
رغم ارتباطه بالرائحة المزعجة، فإن التعرق يؤدي وظيفة حيوية تتمثل في تبريد الجسم والحفاظ على درجة حرارته، خصوصاً أثناء ممارسة الرياضة أو التعرض للأجواء الحارة.
وتشير وزارة الصحة السعودية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من السوائل من خلال التعرق، وأن كمية السوائل المفقودة تختلف باختلاف شدة النشاط ومدته ودرجة حرارة الجو والملابس التي يرتديها الشخص.
كما أكدت مراجعة علمية حديثة أن تبخر العرق من سطح الجلد يمثل آلية أساسية لفقدان الحرارة والحفاظ على التوازن الحراري للجسم.
وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن التعرق هو الوسيلة الأساسية التي يتخلص بها الجسم من السموم ليس دقيقاً من الناحية العلمية، إذ يؤدي الكبد والكليتان الدور الرئيسي في التخلص من الفضلات والمواد التي لا يحتاج إليها الجسم.
وبالتالي، لا ينبغي السعي إلى إيقاف التعرق بشكل كامل، بل إلى السيطرة على التعرق المفرط والرائحة المزعجة عند الحاجة، مع الحفاظ على دوره الطبيعي في حماية الجسم من ارتفاع الحرارة.








اضافةتعليق
التعليقات