لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد شاشات ينظر من خلالها الإنسان إلى العالم، أو بوابة للترفيه بل أصبحت تعيد تشكيل مفاهيم الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي وفق معايير افتراضية هشة، إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير في تفضيلات الجيل الجديد، بل هو إعادة تعريف قسرية وتطبيع خطير للعزلة والانكفاء على الذات على حساب الفطرة السليمة للتواصل البشري، حتى غدت الاستقامة الاجتماعية شذوذاً والتراجع والانطواء هو الأصل.
في الفترة الأخيرة انتشرت مقاطع لبعض الفتيات الصغيرات وهن يقرأن قصائد حسينية وسط العائلة، أو حتى أطفال صغار يخدمون على طريق زائري زيارة الأربعين، أو طفلة متكلمة أمام التلفاز والكاميرات، وعند مشاهدة مثل هذه المقاطع تستطيع أن تأخذ جولة في التعليقات، لترى عدداً كبيراً منها يتحدث عن فكرة واحدة، ملخصها التعجب من أنها لا تعاني من الرهاب الاجتماعي أو بتعبيرهم "(الرهاب الاجتماعي يخاف منها)"، مع تكرار مثل هذه التعليقات، نحتاج إلى توقف وتساؤل: متى أصبح الرهاب الاجتماعي هو القاعدة، والثقة والتواصل مع المجتمع بصورة سليمة هو الحالة الغريبة؟
ومثلها حين أرى في الفترة الأخيرة رفض الفتيات الشابات للتواصل مع اجتماع العوائل على المائدة أو مشاركتهن في المناسبات والأعياد، وعندما تسمع الشابة بقدوم ضيوف تنزعج وتتوتر. مثل هذه المقاطع تُنشر ويسوّق لها كأنها الواقع الذي يفترض أن تعيشه كل الفتيات والشابات، ومن يقرأ التعليقات ويسمع وهو إنسان طبيعي يتفاعل مع المجتمع بصورة صحية يشعر أنه مريض! وإذا حاول أن يتحدث يجد هجوماً من مجتمع مواقع التواصل وحتى ممن حوله وهم ينعتونه بعدم فهمه للخصوصية أو جرحه لخصوصيتهم بأبسط المواقف التفاعلية، حتى وصل الحال إلى التمادي بفكرة الخصوصية الزائدة والتوحد والرهاب الاجتماعي.
هذه المفردات الثلاث بدأت تسرق -أو سرقت بالفعل- كثيراً من الشباب والأطفال من التفاعل الحي مع المجتمع إلى مجموعة من العقد والأمراض النفسية التي لم نسمع بها من قبل! فأصبح الطفل الذي يجلس بهدوء واعتزال هو "الطبيعي"، والطفل الذي يلعب مع نظرائه هو طفل لديه "فرط حركة" ومشاغب ومزعج.
في الحقيقة الموضوع لا يحتاج بضعة أسطر تُكتب فحسب، وإنما يحتاج إلى معالجات حقيقية، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية والعراقية بالذات، التي عُرِفت بتماسك العوائل ووقوف النساء جميعاً في المطبخ لإعداد سفرة كبيرة يجتمع عليها كل أفراد العائلة، والأطفال يلعبون في الحديقة وتسمع أصوات الضحكات ونقاش الرجال وصرخات الأطفال. جميعنا تربينا في هكذا بيئات ونقرأ الأناشيد والقصائد أمام الجميع ونتفاخر بحفظها، ولم يكن يعاني أحد من عقدة وجود الأشخاص أو تزاحمهم أو الخوف من التواصل مع الآخرين. هذه العقد والاعتلالات جاءت من إدمان الشاشات والتسويق المستمر لها كأنماط حياة عملية ومقبولة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تسمية الأشياء بغير مسمياتها، بل في صناعة جيل هش يخشى المواجهة الحية ويتوارى خلف الألقاب والمصطلحات النفسية المترجمة دون وعي. إن استعادة صحة مجتمعاتنا تبدأ من إثارة الوعي داخل الأسرة، ووضع حدود صارمة للتغريب الرقمي، وإعادة الاعتبار للملمة العائلية والتواصل المباشر. إن لم نتدارك هذا التجريف المتواصل لأواصرنا الاجتماعية، فإن الضريبة لن تكون مجرد عائلات مفككة، بل مجتمع كامل أعرج ينكفئ على ذاته، بلا روح جماعية ولا سند إنساني.








اضافةتعليق
التعليقات