ليس المهم أن نعرف… بل أن نعرف ممّن نأخذ.
يا ترى هل سبق وأن جاع أحد منا وفكر بأن يأكل أي شيء متاح أمام يديه ويسد جوعه بأي طريقة من الطرق كالأكل من أي مصدر كان؟
هل سبق وعطش أحد منا ورأينا ماء على الأرض وفكرنا بأن نشرب الماء الملوث من الأرض؟
كلا وألف لا، نفكر ألف مرة و ندقق ماذا نأكل (وصية قرآنية: فلينظر الانسان إلى طعامه)
العاقل إذا جاع، لا يأكل كلَّ ما تقع عليه يده؛ لأنّه يعرف أن الجوع لا يُبرّر أن يُدخل إلى جسده ما يضرّه، فيتأنّى، وينتقي طعامه، ويهتمّ بمصدره وجودته.
والعقل كذلك؛ قد يجوع إلى المعرفة، لكن ليس كلُّ ما يُقال علمًا، ولا كلُّ من تكلّم أهلًا لأن يُؤخذ عنه. فكما نحرص على سلامة أجسادنا بما نطعمها، علينا أن نحرص على سلامة عقولنا بما نغذّيها.
ولهذا كانت القضية ليست: كم نعرف؟ بل: من أين أخذنا ما نعرف؟
وهنا تتجلّى عظمةُ مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي علّمنا أن للعلم الصحيح أهلًا، وأن الوصول إلى الحقيقة يبدأ بحسن اختيار من نأخذ عنه:
«إِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ فَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ… فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ». فليس كلُّ غذاءٍ يصلح للجسد، وليس كلُّ فكرٍ يصلح للعقل؛ فكما نختار ما نأكل، نختار ما نتعلّم، ومن الذي نتعلّم منه.
ليس كلُّ نورٍ يُرى بالعين، فثمّة أنوار تُشرق في العقل، فتبدّد ظلمةَ الجهل، وتفتح للإنسان طريقًا يعرف فيه الحقَّ من الوهم، والبصيرةَ من الحيرة.
والعلمُ واحدٌ من أعظم تلك الأنوار؛ غير أن قيمته لا تكمن في كثرة ما نعرف، بل في أن نعرف الحقَّ من أين نأخذه، وأن ندرك أن للعِلم أهلًا، وللحقيقة أبوابًا، وأن العقل مهما بلغ لا يستغني عن الهداية.
ومن هنا، حين نصل إلى ذكرى ولادة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فإننا لا نقف أمام ميلاد شخصية عابرة في صفحات التاريخ، بل أمام ميلاد مدرسة أضاءت للعقول طريقها، وأعادت للعلم معناه، وربطت المعرفة بالهداية، والعقل بالبصيرة.
ففي مدرسة شيخ الأئمة سيدنا ومولانا الامام الصادق (عليه السلام)، لم يكن العلمُ كلماتٍ تُحفظ، ولا مسائل تجمع، وإنما كان نورًا يورث الإنسان رشده، ويقوده إلى الحق. ولذلك يقول (عليه السلام) ليونس بن ظبيان:
«يَا يُونُسُ، إِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ فَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾».
وكأنَّ الإمام (عليه السلام) يريد أن يضع أمام الإنسان أولَ أبواب المعرفة: أن يعرف مصدرها، وأن لا يطلب الحقيقة من كل طريق، فليس كلُّ من تكلّم عالمًا، ولا كلُّ من امتلك جوابًا امتلك الحقيقة.
ثم يرتقي بنا إلى أدبٍ آخر من آداب العلم؛ إلى تلك المساحة التي يقف عندها الإنسان أمام ما لا يعلم، فلا يملأ فراغ جهله بالظن، ولا يجعل من الصمت عجزًا، بل يجعله بدايةً للوصول.
فعندما عرض حمزة بن الطيّار على أبي عبد الله (عليه السلام) بعض خطب أبيه، وبلغ موضعًا منها، قال له الإمام: «كُفَّ واسكت»، ثم أوضح منهج المؤمن فيما يجهله:
ثُمَّ قَالَ (علیه السلام) لَا یَسَعُکُمْ فِیمَا یَنْزِلُ بِکُمْ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ إِلَّا الْکَفُّ عَنْهُ وَ التَّثَبُّتُ وَ الرَّدُّ إِلَی أَئِمَّةِ الْهُدَی (علیهم السلام) حَتَّی یَحْمِلُوکُمْ فِیهِ عَلَی الْقَصْدِ وَ یَجْلُوا عَنْکُمْ فِیهِ الْعَمَی وَ یُعَرِّفُوکُمْ فِیهِ الْحَقَّ.
فما أعمقَ هذه المدرسة التي تبدأ بكلمة: «فاسألوا»، حين لا تعلم، ثم تعلّمنا أن نقول: «كُفَّ واسكت»، حين لا تعلم!
بين السؤال والصمت يتشكّل أدبُ المعرفة؛ تسألُ لتتعلم، وتصمتُ حتى لا تتكلم بغير علم، وتتثبتُ حتى لا تأخذك الحيرة إلى الوهم، وترجعُ إلى أهل الهداية حتى تنكشف لك معالم الحق.
وهكذا كان الإمام الصادق (عليه السلام) معلّمًا للعلم، ومعلّمًا لأدب العلم في آنٍ واحد؛ يفتح للعقل أبواب المعرفة، ثم يعلّمه كيف يسير فيها بأمان، فلا يغترُّ بما عرف، ولا يتجرأ فيما جهل، ولا يستبدل نور الحقيقة بظنون النفس.
وفي ذكرى ميلاده المبارك، لعلّ أجمل ما نحتفي به أن نستعيد هذا الدرس الصادقي الخالد: أن العلمَ نور، ولكن النور يحتاج إلى بصيرة؛ وأن السؤالَ فضيلة، ولكن الأجمل أن يكون السؤال عند أهله؛ وأن الصمتَ ليس دائما غيابا للكلام، فقد يكون حضورًا للعقل.
سلامٌ على الصادق يوم وُلد، ويوم أشرقت من مدرسته أنوارُ العلم، ويوم بقيت كلماته تهدي العقول إلى الحقيقة، وتعلّم الإنسان أن أول طريق المعرفة أن يعرف: مَن يسأل، ومَن يتبع، ومتى يتكلم، ومتى يقول: لا أعلم.
بهم انقذنا الله من شفا جرف الهلكات ..








اضافةتعليق
التعليقات