يحكى أن ملكًا كان يتفقد أحوال رعيته، فمر ذات يوم بفلاح كبير في السن، فرآه يغرس شجرة زيتون في أرضه، فتعجب الملك من صنيعه، وقال له: يا شيخ، أتغرس شجرة زيتون وأنت في هذا العمر؟ ومتى ستثمر هذه الشجرة حتى تنتفع منها؟ فابتسم الفلاح وقال: يا مولاي، إن الذين سبقونا زرعوا فأكلنا من ثمارهم، ونحن اليوم نزرع ليأكل من يأتي بعدنا.
أعجب الملك بحكمة الفلاح، فأمر له بجائزة من المال، فقال الفلاح: يا مولاي، ما أسرع ما أثمرت شجرتي! تعجب الملك من كلامه، وقال: وكيف ذلك؟
فقال الفلاح: الناس يزرعون الأشجار، ثم ينتظرون سنوات حتى تثمر، أما أنا فقد أثمرت شجرتي قبل أن تنبت أغصانها، فقد كافأتني اليوم بهذا المال. فازداد الملك إعجابًا بذكائه، وأمر له بجائزة أخرى.
فقال الفلاح: يا مولاي، إن شجرة الزيتون لا تثمر في السنة إلا مرة، أما شجرتي فقد أثمرت مرتين في يوم واحد!
فضحك الملك من فطنته، وأمر له بعطاء آخر.
وهكذا لم يكن الفلاح يزرع شجرة فحسب، بل كان يزرع معنى عظيمًا: أن الإنسان لا ينبغي أن يفكر في الثمرة التي سيأكلها وحده، بل في الخير الذي سيتركه لمن يأتي بعده.
فالزراعة رسالة من جيل إلى جيل، وبذرة يضعها إنسان في الأرض اليوم، قد تصبح غدًا سببًا في إطعام إنسان لم يره ولم يعرفه.
حين يضع الإنسان حبةً صغيرة في جوف التراب، ثم يمضي لا يعرف من سيأكل ثمرتها، ولا في أي بيت ستصل، ومن سيحملها بيده، ولا أي طائر سيقتات منها، ولا يدري كم إنسانًا سيشكره دون أن يعرف اسمه. هكذا هو الحرث، مهنةٌ تبدو للوهلة الأولى بسيطة جدًا: أرض، ماء، بذرة ويد تعمل، لكنها في حقيقتها علاقة عجيبة بين الإنسان والحياة؛ فالفلاح يأخذ شيئًا صغيرًا لا يكاد يُرى، ويضعه في مكان لا يراه أحد، ثم ينتظر أن يخرج منه ما يطعم مدينة بأكملها.
وأجمل ما في هذه المهنة المباركة أن صاحبها يزرع أكثر مما يحتاج ويعطي أكثر مما يأخذ، فهو لا يسأل الحبة: من سيأكل ثمرتي؟ ولا يسأل الطير: هل أنت من أهل الأرض؟ ولا يسأل الفقير: هل أنت مستحق؟ هو يزرع، ثم يترك رزقه يصل إلى من يحتاجه.
ولهذا لم ينظر الإسلام إلى الحرث بوصفه مجرد مهنة لكسب الرزق، بل نظر إليه بوصفه صناعة للحياة وإحسانًا ممتدًا.
وقد بلغ هذا المعنى جمالًا في كلمة الإمام الرضا عليه السلام حين قال عليه السلام:
«خير الأعمال الحرث، يزرعه فيأكل منه البر والفاجر، فأما البر فما أكل من شيء استغفر لك، وأما الفاجر فما أكل منه من شيء لعنه، ويأكل منه البهائم والطير».
يا لها من صورةٍ عظيمة تبين أهمية أفعال الإنسان وأي عمل يصدر منه، كي يدرك: لا شيء يُترك سدى، بل لكل فعل أثر، وإن أفضل الأعمال ليس بالضرورة ذلك العمل الذي يصفق له الناس، بل قد يكون العمل الذي يقوم به المرء في صمت، ويغيب هو ويبقى أثره.
هذه الرواية الجميلة تفتح لنا آفاقًا واسعة: إن الفلاح يموت وشجرته تبقى، تتعب يداه لكن ثمرته تُطعم الآخرين، ولا يعرف أحدٌ اسمه، لكن كثيرين يعيشون على أثره.
وهنا نفهم سرّ عظمة الحرث: أن تزرع شيئًا لا تعرف من سيحصدُه، ولكنك تثق أن الله لا يضيع بذرة زُرعت في سبيل الحياة.
فالحرث ليس مهنةً مع التراب فقط، إنه درسٌ في العطاء، وفي الصبر، وفي الإحسان الذي لا يشترط معرفة المستفيد.
فقد نرى أئمتنا الأطهار عليهم السلام كانوا يزرعون ويهتمون بحفر الآبار لمساعدة الفقراء والمساكين، وترك باقيات الصالحات، رغم قدرتهم على فعل المعجزات وقولهم للشيء كن فيكون إن أرادوا ذلك، ولكن كانوا يتحملون الصعوبات والحر لأجل هذه الخدمات رفقًا بالآخرين وبركةً منهم، فقد روى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا عن خديجة بنت حمدان بن بسندة، قالت:
فلما نزل عليه السلام دارنا، زرع لوزة في جانب من جوانب الدار، فنبتت وصارت شجرة، وأثمرت في سنة، فعلم الناس بذلك، فكانوا يستشفون بلوز تلك الشجرة، فمن أصابته علة تبرك بالتناول من ذلك اللوز مستشفيًا به فعوفي، ومن أصابه رمد جعل ذلك اللوز على عينيه فعوفي، وكانت الحامل إذا عسر عليها ولادتها تناولت من ذلك اللوز فتخف عليها الولادة وتضع من ساعتها… وكان إذا أخذ دابة من الدواب القولنج أخذ من قضبان تلك الشجرة فأمر على بطنها فتعافى، ويذهب عنها ريح القولنج ببركة الإمام الرضا عليه السلام.
إمام معصوم يغرس بيده شجرة، وكأنه يعلمنا أن قيمة الإنسان ليست فيما يأخذه من الدنيا، بل فيما يزرعه فيها.
فالفلاح حين يضع البذرة في التراب لا يطالبها أن تثمر في اليوم نفسه، ولا يترك أرضه لأنه لم يرَ الثمرة بعد. هو يزرع، ويسقي، ويرعى، ثم ينتظر.
وهكذا نحن مع إمام زماننا…
نحن نعيش زمن الغيبة، وزمن الغيبة ليس زمنًا للجلوس وانتظار الثمرة، بل زمن للغرس: نغرس في أنفسنا التقوى، وفي بيوتنا الإيمان، وفي أولادنا محبة أهل البيت، وفي مجتمعنا الأخلاق، وفي حياتنا خدمة الناس، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر».
المنتظر الحقيقي ليس من يرفع عينيه إلى السماء فقط، بل من يضع يده في تراب الحياة ويزرع فيها ما يرضي إمام زمانه، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.








اضافةتعليق
التعليقات