• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

منار قاسم / السبت 26 ايلول 2026 / تربية / 565
شارك الموضوع :

عندما يغيب هذا السقف، تُصبح التنهيدة الصادرة من الصدر أكبر من مجرد زفير حزن عابر

تتحول ذكريات الأب الراحل عند كل مفرق طُرقٍ صعب إلى مواجهة مباشرة مع عراء العالم. ففي البناء النفسي للإنسان، لا يُمثل الأب مجرد عنصرٍ في شجرة العائلة، بل هو السقف المتين الذي يقي من تقلبات الحياة، والوتد الذي تُشدّ إليه خيمة الأمان.

وعندما يغيب هذا السقف، تُصبح التنهيدة الصادرة من الصدر أكبر من مجرد زفير حزن عابر إنها صرخة روحيّة تؤكد أن بعض التنهيدات تحتاج أربع رئات أو أكثر كي تُستوعب.

وفي المساحة الفاصلة بين لوعة الفقد وسعي الروح لاستعادة توازنها، يتشكل هذا الحوار الوجداني الباطني بين ابنةٍ يُثقل الشوق كاهلها، وطيف والدها الذي يسكن ذاكرتها حياً لا يموت.

​تجلس منار على مقعد خشبي تحت شجرة قديمة، تمسك ساعة يد والدها التي توقفت عقاربها، وبجوارها يجلس طيفه بهيبته الدافئة.

كانت منار، على الرغم من كونها أماً لأربعة أولاد، ترى في والدها المأوى الأول والأخير كان بالنسبة لها الأب، والزوج، والحبيب، والصديق، ورفيق الدرب، وكل شيء في حياتها.

وبعد رحيله، انكسر ظهرها حرفياً، وأصبح كل شيء في عينيها باهتاً بلا لون، حتى أصل الحياة نفسه فقد بريقه.

تهمس بصوت خافت تهزه تنهيدة عميقة متسائلة إن كانت الرئتان تكتفيان بحصة واحدة من الهواء وقد كان حنانه يمدها بأربع، مشيرة إلى أنها كلما مر طيفه تشعر بأن هذا الصدر أضيق من أن يتسع لزفير الشوق.

ينظر إليها الأب بعينين تطفحان بالسكينة، وبصوت يشبه هفيف النسيم يخبرها أنه لم يبتعد لكي تضيق أنفاسها، بل لتبحث عن السعة في كل ما تركه في روحها، موضحاً أن التنهيدة التي تتعبها هي صلاة الشوق التي لم تجد كلمات تكفيها.

​ترفع منار عينيها المدمعتين نحو طيفه معاتبة وموضحة كيف صار العالم بعده عارياً، فقد كان ظله يسبقها في كل طريق، وحين تتعثر تجد جدار المنيع، متسائلة كيف لإنسان أن يكمل طريقه دون أن يستند إلى السند الذي يعلم أنه لن يميل.

 يبتسم الأب برفق ويؤكد لها أن السند لا يختفي لمجرد أنه صار غير مرئي، فالوتد الذي غرسوه في الأرض لا يقتله غياب الجسد، والجدار الذي كانت تستند عليه لم يكن عظام رجل، بل كان تلك القيم والكرامة واليقين الذي أودعه في وجدانها، فهي ليست عارية من حمايته بل هي امتداده الحي.

​تمسح منار دمعة انحدرت على خدها معربة عن حنينها لصوته وهو يطمئنها بألا تخاف، بينما أصبحت اليوم تبحث عن هاتيك الكلمة فلا تجد إلا صمت المكان. يحثها الأب بنبرة أكثر دفئاً وحزماً على أن تسمع كلماته بقلبها لا بأذنيها، فكلما حار عقلها ما عليها إلا أن تسأل نفسها عما كان سيفعله أبوها وستجد إجابته تتردد في أعماقها، فهو لم يتركها للتطاحن مع الحياة وحدها، بل ترك فيها رئة ثانية تتنفس بها وحكمة تبصر بها وظهراً لا ينحني.

​تستنشق منار هواء الليل وتغمض عينيها متسائلة إن كان حزنها عليه لا ينبغي أن يكون كسرة لها، فينزوي الأب برفق ويزداد ضوؤه صفاءً مبيناً أن الحزن على الآباء حق إنساني أصيل وأن التنهيدة الثقيلة هي صمام أمان الروح، لكن الوفاء الحقيقي ليس في الوقوف عند أطلال الغياب، بل في الابتسام ومواجهة العالم بقوته وأن تكون الأثر الذي يُقال عنه حين يراه الناس رحم الله من أنجب وربى، داعياً إياها أن تملأ رئتيها به وتمشي.

​تفتح منار عينيها لتجد أن الطيف قد يسر خيوطه في الفضاء، لكن يدها تشتد ثباتاً على الساعة القديمة، وتتنفس شهيقاً عميقاً لا ليُثقل صدرها هذه المرة، بل ليحمل معه أماناً قديماً أعاد رسم معالم الطريق، ويمنح ظهرها قوة كي تقف من جديد من أجل أولادها الأربعة الذين يرون فيها السند كما كانت تراه في أبيها.

​إن الاستغراق في هذه التجربة الوجدانية يتطلب دراية بأن شرعية الحزن حقيقة لا تنفي القوة، وأن التنهيدة الصادقة تنفيس طبيعي عن حجم المحبة وعظم القدر، وليس دليلاً على الضعف أو الانكسار.

 كما أن إعادة تمثل الغائب عبر تجسيد قيم الوالد وحكمته في القرارات اليومية يضمن استمرارية وجوده المعنوي كبوصلة أمان لا تغيب، ليكون الوفاء الأسمى في أن نكون الامتداد الطيب والناجح لآبائنا، مستمدين القوة من ذلك الإرث الحي ومستحضرين دائماً أن القوة التي كانوا يمنحونها لنا لم تكن خارج ذواتنا، بل كانت غراساً استقر في أعماقنا لنستند عليه كلما عصفت بنا الأيام.

​وهنا تهمس هذه الذكرى برسالة حية وأخيرة لكل من لايزال والده على قيد الحياة، تتوسل إليهم ألا ينتظروا الغياب ليعرفوا حجم السقف الذي يظللهم.

استغلوا وجود هذه الأبواب المفتوحة للأمان، واشبعوا من أيديهم الداعمة وأصواتهم الدافئة قبل أن تضطروا للبحث عن أصداء أحاديثهم في صمت المكان، فالعناق اليوم والأب حاضر يقي الروح من تنهيدات ثقيلة قد لا تجد في المستقبل صدى يستوعب ثقلها.

الموت
الايمان
القوة
الحزن
الأب
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    الأربعاء 02 ايلول 2026/
    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    الأثنين 31 آب 2026/
    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    الخميس 27 آب 2026/
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    السبت 22 آب 2026/
    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    الخميس 13 آب 2026/

    آخر الاضافات

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة

    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    التضخم والصحة النفسية للشباب.. حين يتحول غلاء المعيشة إلى ضغط نفسي مزمن

    اليام البنفسجي: كنز غذائي يُسهم في تنظيم مستويات سكر الدم

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    ظاهرة الكذب لدى الأطفال: جذورها النفسية وطرق العلاج

    آخر القراءات

    تمتعي بالرشاقة... بالابتعاد عن العشاء الدسم

    النشر : الثلاثاء 09 حزيران 2015
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    وقفة تأمل..

    النشر : الجمعة 02 كانون الأول 2016
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    أصنام خفية في معابد القلوب

    النشر : السبت 03 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    ثورة الانفوميديا

    النشر : الأربعاء 10 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    لعبة مريم.. الوجه الاخر للحوت الازرق

    النشر : الخميس 24 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    النشر : السبت 03 تشرين الاول 2026
    اخر قراءة : منذ 27 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 384 مشاهدات

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    • 344 مشاهدات

    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام

    • 337 مشاهدات

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    • 335 مشاهدات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    • 326 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 793 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 565 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 553 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 539 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 513 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة
    • منذ 11 ساعة
    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟
    • منذ 11 ساعة
    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة
    • منذ 11 ساعة
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق
    • السبت 10 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة