ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك، هي ليلة كأن الزمن فيها يجر أذيال الحسرة على وجه الدهر، إذ تخلع الدنيا ثوب القدسية لترتدي السواد بعدما سكن الصوت بين جدران مسجد الكوفة، حيث كانت المحاريب تشهد همسات المتعبدين إلا محراباً واحداً كان ينتظر أن يختزل في جبينه قصة العدالة كلها من سجدة لا قيام بعدها إلا في عليين، ليغتسل ذلك المحراب بدماء شهادة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
في ذكرى شهادة إمام المتقين تأخذنا (بشرى حياة) في جولة استطلاعية لتنقل لنا جانباً من مراسيم هذه المناسبة...
العزاء المتجدد
لا تزال ليلة الاستشهاد خالدة في وجدان الملايين، حيث تقيم مدينتا النجف الأشرف وكربلاء المقدسة مراسيم العزاء المتجدد من كل عام، وتتشح قبب المراقد المقدسة بالسواد، وترتفع رايات الحزن إيذاناً بحلول ذكرى الشهادة.
يقول الزائر عيسى المعموري في عقده الخامس من مدينة بابل: اعتدت الحضور إلى مدينة كربلاء المقدسة لتقديم التعازي للإمام الحسين (عليه السلام) وأداء واجب الزيارة قبل يوم الاستشهاد، وفي اليوم التالي أتوجه أنا وأسرتي إلى مدينة النجف الأشرف للمشاركة في مآتم العزاء التي تقام في الحرم العلوي.
وأضاف: أمارس هذه المراسيم كعادة سنوية، إذ تسرني الأجواء الروحانية بقدر ما يؤلمني المصاب الجلل، إذ لا يمكن أن تمر هذه الأيام دون أن نستذكر مظلومية الإمام الذي قتلوه في محرابه لأنه كان يريد إقامة العدل.
من جانب آخر حدثتنا الحاجة أم عبد الله، سيدة في عقدها السابع مقعدة، قائلة: لسبب وضعي الصحي لا أستطيع السفر إلى مدينة النجف الأشرف، لذلك قررت أن أقيم مأتم عزاء الإمام في بيتي إحياءً لهذه الليلة الأليمة، كما أدعو بها كل المحبات من نسوة الزقاق للمشاركة وسط أجواء تملؤها السكينة والحزن.
فيما قالت السيدة إسراء عبد الحسين، 45 سنة: ليلة شهادة الإمام علي (عليه السلام) لا تقتصر فقط بمقتله، وإنما هي ليلة عظيمة لكونها تعد من ليالي القدر المباركة التي خصها الله بمنزلة عظيمة وذكرت في القرآن الكريم، لذلك يجب أن تتخلل هذه الليلة طقوس متفردة، ليس فقط إحياء مراسيم العزاء، وإنما أداء الزيارة مع تلاوة القرآن الكريم والتقرب إلى الله بالأدعية المأثورة والتسبيح والاستغفار، والعمل على نشر مبادئ نهج البلاغة التي تنص على العدل الذي استشهد إمام المتقين لأجله.
البعد الفكري لإحياء الذكرى
ويضيف الشيخ كاظم الموسوي: ما حدث في ليلة الحادي والعشرين لم يكن مجرد اغتيال لشخص، بل كان اغتيالاً لأمل الأمة في حكم إسلامي حقيقي، فالإمام علي (عليه السلام) كان المشروع الإلهي الوحيد القادر على إعادة الأمور إلى نصابها بعد الانحراف الذي أصاب التجربة الإسلامية.
ويتابع قائلاً: إن إحياء ذكرى استشهاده في كل عام لا يقتصر على مظاهر الحزن والعزاء، بل يحمل رسالة عميقة للأجيال مفادها أن نهج الإمام علي قائم على العدل والإنصاف ونصرة المظلوم، فهذه المجالس والفعاليات الدينية تمثل فرصة للتذكير بقيمه الإنسانية والإسلامية التي تحتاجها المجتمعات اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ويشير الموسوي إلى أن استذكار هذه المناسبة يدفع المؤمنين إلى مراجعة سلوكهم والاقتداء بسيرة الإمام في إدارة الدولة وخدمة الناس، مؤكداً أن رسالة الإمام لم تكن حكراً على زمانه، بل هي مشروع إصلاحي متجدد يمكن أن يلهم المجتمعات في بناء العدل وترسيخ قيم الحق والكرامة الإنسانية في كل زمان.
وليد الكعبة
إمام المتقين هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ولد في رجب من عام 599 ميلادي، وتفرد بولادته في جوف الكعبة، فلم يولد فيها مولود غيره قبله ولا بعده.
تربى في حجر النبوة، فكان أول من آمن من الفتيان برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، شهد مع النبي المشاهد كلها، كان سيفه مع الوحي، وصمته مع القرآن، وعلمه مع الحكمة، حتى قال فيه الرسول: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".
تزوج من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأنجب الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، ومن ذريته استمر نسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. كانت خلافته امتداداً لعدالة النبوة، فسوى في العطاء بين الناس وأقام الحق على قواعد لا تلين، مما أشعل نيران الفتنة حوله.
يوم التاسع عشر من رمضان كانت الكوفة تئن تحت وطأة صيام، وكان الإمام قد علم باستشهاده من قبل، فقد أخبره النبي أن جبينه سيُخضب من قرنه إلى لحيته في ليلة القدر، وهذا ما حصل. وفي لحظاته الأخيرة قبل أن يفارق الحياة قال: "فزت ورب الكعبة"، فهنيئاً له الشهادة، وعظم الله لكم ولنا الأجر.








اضافةتعليق
التعليقات