ما الذي يجعل إنسانًا بلا جيش ولا سلطان تخضع له الرقاب وتخشع له القلوب؟ وما الذي يدفع الناس، عبر القرون، للبكاء والتعلّق بمن لم تَرَه أعينهم؟
حين نتأمل قول السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها: «ولايتُنا نظامًا للملّة، وإمامتُنا أمانًا من الفرقة»، ندرك أن وجودهم صلوات الله وسلامه عليهم ليس مجرد قدوة، بل هو أمانٌ ووحدة وهيبةٌ إلهية تحفظ الأمة. وقد أشار القرآن إلى مقامهم بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
هذه الهيبة ليست من صنع المناصب أو الجيوش، بل هي جعلٌ إلهي في قلوب أوليائه، فينجذب إليهم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. هيبةٌ تجعل الإمام قبلةً للقلوب ومهوىً للأرواح.
ومن أوضح تجلياتها ما حدث مع الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليه، حين أُجبر على الذهاب إلى خراسان، فإذا بالقلوب تلتف حوله، ويضطر المأمون العباسي، رغم سلطانه، إلى إظهار تعظيمه بل وجعله وليًا للعهد، لا حبًّا فيه بل خشيةً من تأثيره. فقد شهد له الجميع بالعلم والفضل، وكانت هيبته تخضع القلوب قبل العقول.
وهذه الظاهرة ليست خاصة به، بل امتدت في سيرة جميع الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم. فقد تجلّت في أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه حين عادت الأمة إليه، مدركةً مقامه، رغم إقصائه. حتى إن عثمان بن عفان خشي من وجوده بين الناس لما يجذبه من ولاء القلوب فقال له: (وجودك أنت يا علي يجذب الناس إليك).
كما ظهرت في التفاف المهاجرين والأنصار حول الإمام الحسن صلوات الله وسلامه عليه دون ترغيب ولا ترهيب ، وفي هيبة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يوم كربلاء، حيث بقي أعظم وقارًا وثباتًا رغم إحاطته بالأعداء، وكذلك في شجاعة وهيبة أصحابه كأبي الفضل العباس وعلي الأكبر والقاسم صلوات الله وسلامه عليهم.
ولم تكن مدرسة الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه العلمية الكبرى لتقوم في ظل قمع بني أمية وبني العباس، لولا هذه الهيبة التي جذبت القلوب والعقول من كل مكان.
أما في زماننا، فإن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يمثل الامتداد الأعظم لهذه الهيبة الإلهية؛ فوجوده، وإن غاب عن الأبصار، هو أمانٌ للأرض وبقاءٌ للحياة، به تُحفظ القلوب ويحفظ الإيمان وتشدّ الأرواح نحوه. «عزيزٌ عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى» ، تعبير عن شوقٍ نابع من تلك الهيبة التي تسكن القلوب .
كما جذبت هيبة آبائه القلوب في حضورهم، فإن هيبته اليوم تحفظها في غيبته. فهو الحبل المتصل بين الأرض والسماء، وبه لا تساخ الأرض بأهلها كما عبّر دعاء الندبة عن هذا المعنى: «أين السبب المتصل بين الأرض والسماء؟» «أين صاحب يوم الفتح وناشر راية الهدى؟».
إن هيبة الإمام هي سرّ اجتماع الأمة، وبه تتوحد الكلمة وتُصان الرسالة. وكما اجتمعت القلوب حول الأئمة من قبل، فإنها ستجتمع حول الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه عند ظهوره، كما نترقّب ونناجي: «هل إليك يا ابن أحمد سبيلٌ فتُلقى؟ وذلك مصداقًا لقول جدته الزهراء صلوات الله وسلامه عليها: «ولايتنا نظامًا للملّة، وإمامتنا أمانًا من الفرقة».
نسأل الله أن يثبّتنا على ولايتهم، وأن يجعلنا من أنصارهم والممهّدين لهم، وأن لا يحرمنا لذّة الشوق إليهم، ولا نور هيبتهم في قلوبنا.








اضافةتعليق
التعليقات