في داخل لحظة عائلية مرحة نتبادل فيها الذكريات بصور مشوشة من داخل عقولنا، نحاول مزج الأحداث وتذكر الكلمات، نطق أخي: "لِمَ كل هذا التعب في محاولة تذكر المحادثة؟ بكل بساطة لدي تسجيل فيديو كامل بالصورة والصوت سيعيد اللحظة". تلك اللحظات التي تم عرضها في ذلك اليوم قد أظهرت محادثة وموقفًا سببا خلافًا وتفريقًا للقلوب في ما مضى، وعودته بهذه الجودة الآن رسم على حناجر بعض الجالسين غصة، مما جعلني أتساءل: هل الذاكرة الواضحة ممكن أن تكون لعنة في يوم ما؟
في الحقيقة، كان النسيان بمثابة الممحاة الرحيمة التي منحتها الطبيعة للبشر، تلك اليد الخفية التي تطمس زوايا الحزن الحادة وتهذب نتوءات الخيبات لتبقي لنا من الأيام الغابرة شريطًا دافئًا مبهمًا ومجمّلًا.
كنا نعود إلى ذكرياتنا كمن يعود إلى لوحة زيتية قديمة، غادرها بريقها الأصلي ليتشح بغموض محبب. أما اليوم، وفي زمن "الذاكرة الرقمية المطلقة"، فقد تبدل كل شيء. نحن الجيل الذي لا ينسى، ليس بفضل عبقريتنا، بل لأن هواتفنا الذكية وسحاباتنا الإلكترونية قررت أن تنوب عن عقولنا في الأرشفة. فهل حرمتنا هذه الكفاءة التكنولوجية من أعظم الميزات الإنسانية، وهي متعة الذكريات المشوهة؟
هندسة الحنين: كيف يُجمّل العقل ماضيه؟
لطالما كان العقل البشري فنانًا تشكيليًا لا مؤرخًا صارمًا. عندما نتذكر طفولتنا أو صيفًا قديمًا، أو قصة حب عابرة، أو حتى تلك اللحظات الدراسية في المرحلة الابتدائية، لا يستدعي الدماغ شريط فيديو دقيقًا، بل يقوم بإعادة تركيب الحدث، يحذف التفاصيل المملة، ويضيف مسحة من الدفء على الطقس، ويجعل الضحكات تبدو أعلى وأكثر صفاءً.
وهذا التشويه العفوي للماضي ليس عيبًا في الذاكرة، بل هو آلية دفاعية نفسية تُعرف بـ"الانحياز للتفاؤل بمفعول رجعي" أو "تأثير بوليانا". إنه الترياق الذي يجعلنا نتحمل مشاق الحاضر، وهو نوع من الحنين المصنوع بحرفية ليقنعنا بأننا عشنا أيامًا جميلة تستحق العناء. كنا نملك ترف أن نقول: "أذكر أن ذلك المساء كان ساحرًا"، دون أن يجرؤ أحد على تكذيبنا.
أما الآن، فقد تحولت حياتنا إلى وثيقة رسمية غير قابلة للتعديل. يكفي أن تشعر بالشوق لليلة مضت عليها عشر سنوات حتى تفتح هاتفك لتجد تفاصيلها العارية في انتظارك. صورة بدقة عالية تفضح التجاعيد الصغيرة والتوتر الكامن خلف الابتسامة، وتسجيل صوتي يثبت أن الحوار لم يكن بتلك الشاعرية التي تخيلتها، وموقع جغرافي يذكرك بأن المكان كان عاديًا جدًا، وليس الفردوس الذي رسمته في مخيلتك.
في الحقيقة، إن التكنولوجيا لا تحفظ الذكرى فحسب، بل تُجرّدها من سحرها. إنها تحرمنا من "حق التعديل العاطفي"، وتسجننا في واقعية لا ترحم، وتحول الحنين من رحلة استكشافية في ضباب الماضي إلى عملية تدقيق جنائي في ملفات قديمة.
والمفارقة الكبرى في عصرنا هي أننا كلما زادت قدرتنا على استرجاع الماضي بنقرة زر، قلّ شعورنا بالاتصال الحقيقي به. قديمًا كان غموض الذكرى وصعوبة استدعائها هو ما يعطيها قيمتها، حيث كنا نبحث عن صورة ورقية وحيدة مخبأة في درج قديم كمن يعثر على كنز. أما اليوم، فنملك آلاف الصور السحابية التي لا ننظر إليها أبدًا. فقد حولت التكنولوجيا الذاكرة من "تجربة شعورية" إلى "مساحة تخزين". وعندما يصبح كل شيء متوفرًا وموثقًا، يفقد الماضي هيبته، ويصبح الحاضر مشلولًا تحت وطأة أرشيف لا يموت ولا يغفر.
وفي الحقيقة، إن شفاء النفس البشرية من أزماتها لم يكن يومًا مرتبطًا بالقدرة على التذكر، بل بالقدرة على النسيان، أو على الأقل القدرة على إعادة صياغة الحكاية. والحقيقة أننا بحاجة إلى النسيان لنكبر، ولنتجاوز غباء بداياتنا، ولنسامح من خذلونا. فإذا حُرم الإنسان من ميزة النسيان والتشويه الإيجابي لذكرياته، فإنه سيبقى عالقًا في قفص من الوقائع الجامدة، عاجزًا عن خلق الأساطير الشخصية التي تصبرنا على قسوة الحياة.
ولربما حان الوقت لتدرك شركات التكنولوجيا أن أعظم ميزة يمكن أن تقدمها لنا في المستقبل ليست زيادة سعة التخزين، بل اختراع زر يملك شجاعة "المحو"، ليعيد لنا متعة أن نتذكر الأشياء ليس كما حدثت فعلًا، بل كما تمنينا لها أن تكون. لذلك ابتعدوا عن هوس توثيق كل شيء، واشعروا باللحظة لترسموا في عقولكم ذكرى جميلة، بدلًا من أرشفة ذكرى ميتة لا تحمل أي شعور.








اضافةتعليق
التعليقات