في منطق الاقتصاد الحديث، يُقاس العطاء بما يملك الإنسان من فائض، وتُحسب الجودة بميزان الربح والخسارة، لكن على امتداد الطريق نحو كربلاء، ينكسر هذا المنطق تماماً، لتنشأ منظومة نفسية واجتماعية فريدة، لا تبحث عن المقابل، بل تجد ذروة مكاسبها في مجرد قدرتها على "أن تُعطي".
إن فلسفة العطاء في زيارة الأربعين ليست مجرد كرم عابر أو إطعام طعام، بل هي حالة سيكولوجية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الذات والآخر، وتحول التكافل الاجتماعي من شعار نظري إلى واقع حي يمارسه الملايين، لتكون الخدمة شرفاً.
ففي الأيام الاعتيادية، يتحدد موقع الإنسان في المجتمع بمركزه الوظيفي، أو رصيده المالي، أو نسبه العائلي، لكن في زيارة الأربعين، تذوب هذه الفوارق الطبقية في لحظة واحدة. تجد الطبيب، والمهندس، وأستاذ الجامعة، ورجل الأعمال، يقفون على جوانب الطريق، يحملون أواني الماء، أو يغسلون أقدام السائرين، أو يعرضون بيوتهم مأوى للمشاة.
سيكولوجياً، هذا السلوك يمارس عملية "تطهير للذات"، فهو يكسر الأنا العليا، ويزيل أغلفة الكبرياء التي تبنيها الحياة اليومية. هنا لا يستشعر الخادم أنه يتفضل على الزائر، بل يرجوه أن يقبل خدمته. إنها المرة الوحيدة التي يرجو فيها "المُعطي" من "المُستلم" أن يمن عليه بقبول العطاء، لأن القيمة النفسية للخدمة أصبحت أعلى بكثير من القيمة المادية للمُقدَّم.
ديناميكية الأمان النفسي والمجتمع الفاضل
تعتمد المجتمعات الإنسانية في استقرارها على "العقد الاجتماعي" الذي يستند إلى القوانين والرقابة، لكن في طريق الأربعين، ينشأ مجتمع مؤقت يعتمد كلياً على الثقة المطلقة والأمان النفسي. فالاحتياجات الأساسية مجانية بالكامل: الطعام، والشراب، والمنام، والعلاج، وحتى الاتصال الهاتفي وإصلاح الهواتف.
هذا الشمول يزيل خوف الإنسان الفطري من الغد أو من المجهول. ففي زحام الملايين، يقل التنافس، وتتلاشى ظواهر الجشع، ويُستبدل الشعور بالنقص والحاجة بشعور عارم بالوفرة، ليس لأن الموارد لا تنتهي، بل لأن القلوب متسعة للجميع.
وهذا الجو المفعم بالاطمئنان يخلق حالة من "التضامن القهري"، حيث ينعكس سلوك العطاء من المواكب إلى الزائرين أنفسهم، فتراهم يتساعدون في حمل الأمتعة، ودعم الضعفاء، والرفق بالمرضى، وكأن العدوى النفسية للإيثار قد أصابت الجميع.
العطاء كعلاج نفسي وتسامٍ روحي
تؤكد الدراسات النفسية أن أكثر أسباب الاكتئاب والعزلة في العصر الحديث تعود إلى التمركز حول الذات والانفصال عن الجماعة، ويأتي طريق الأربعين ليعالج هذا الشرخ من خلال ما يُعرف بـ"التسامي النفسي"، أي الاندماج في العاطفة الجمعية.
فعندما يشعر الفرد أنه جزء من سيل بشري يحمل الهدف نفسه والوجهة نفسها، يقل إحساسه بالتهميش والضياع، ليكون استبدال الحزن بالفاعلية. فلا يقف الحزن على فاجعة كربلاء عند حدود البكاء، بل يتحول إلى "طاقة حركة"، طاقة تطعم الجائع، وتكفل اليتيم، وتواسي الغريب.
والعطاء هنا هو الأداة النفسية للتعبير عن الانتماء لنهضة الحسين (عليه السلام). وإن أسمى ما في سيكولوجية العطاء في الأربعين هو أنه لا ينتهي بانتهاء الزيارة، فالطفل الذي ينشأ وهو يرى والده ينفق مدخراته طوال العام ليطعم المشاة في أسبوعين، يتربى على عقيدة أن "المال والجهد أداة لبناء الإنسان، لا لجمع الثروة فقط".
ولقد نجح الأربعين في تأسيس أضخم بنك للتكافل الاجتماعي، قائم على المحبة لا على القوانين، وعلى الرغبة لا على الإكراه. إنه دليل عملي على أن البشرية، حين تجتمع على قيم الحق والإيثار، قادرة على بناء عالم خالٍ من الأنانية، ولو لعدة أيام، ليبقى شهاباً يضيء عتمة المادية التي تغلف العالم.








اضافةتعليق
التعليقات