• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

هدى المفرجي / الأحد 30 آب 2026 / ثقافة / 335
شارك الموضوع :

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق

في ليلةٍ انخلعت لها أطراف الضباب، وانشق فيها السكون عن هبة نورٍ أربكت العتمة، لم يكن وليدُ مكة مجردَ نَفسٍ يضاف إلى سِجل التراب، بل كان انسياب الروح الأولى وهي ترتدي ثوب الجسد.

​يقفُ الصادقُ جعفر بن محمد (عليه السلام) مستنفراً أسرار الغيب، ليرسم بلسانه تلك اللحظة التي تزلزلت فيها قواعد الوجود، فيقول في رائع حديثه عن بدء هذا الخَلق: "إنّ اللهَ تباركَ وتعالى خَلَقَنا من نورِ عظَمَتِه، ثمّ صَوَّرَ خَلْقَنا من طينَةٍ مَخزُونَةٍ مَكنُونَةٍ من تَحتِ العَرش، فأَسكَنَ ذلكَ النُّورَ فيها، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين، لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا..."

فتأمل كيف يسفرُ الوجود عن سره، فلم تبدأ حكاية أحمد من صرخة مهدٍ في أزقة بطحاء مكة، بل بدأت هناك، في الخفاء الأعظم، حيث كان نُوراً يسبق الزمن، يتقلبُ في أصلاب الشموس، ويعبر صُلب الأنبياءِ كشُعاعٍ لا يُسترق، حتى استقر في أحشاءِ آمنة، فلم تكن ذات حملاً كأحمال النساء، فقد استراح في أحشائها سر الكون،​وفي تلك الليلة الموعودة، حين أطل الفجرُ الهاشمي، لم تُفتح الأبواب كعادتها، بل انشقت ستائر العوالم.

ويروي أهلُ البيتِ عليهم السلام كيف تهاوت أصنامُ العالم على وجوهها صريعة، كأن قوة خفية اقتلعت كبرياءها المزيف، وكيف انسربت النيران المعبودة في بلاد فارس وغارت مياه كانت تجري منذ الدهور، لأن النور الحق قد أضاء، فلا شعلة تعلو فوق شمسِ محمد صلى الله عليه وآله، ولا نبع يروي الروح إلا كوثره،​ لقد ولد يتيماً في الظاهر، لكنه كان أباً لأرواح الخلائق أجمعين، طفل خر ساجداً لحظة خروجه إلى الدنيا، رافعاً سبابته نحو السماء، كأنما كان يُعيد ترتيب الجهات، ويخبر الأرض الثكلى بأن عهد الصمت قد انتهى، وأن فجر التوحيد قد انبثق من قلب العتمة.

​هو ليس مجرد ذكرى تُستعاد، إنه في كل ربيعٍ يُولد فينا من جديد، هو النور الذي تحدث عنه آلُ بيته عليهم السلام، نبعٌ مخزون تحت العرش، تسلل إلى طينتنا الركيكة، فجعل فيها قبساً من سمو، وشيئاً من خلود، ولم يكن ذلكم النور الساطع في أصلابِ التاريخ مجردَ حدث يُؤرخ، بل كان انبعاجاً في رتابةِ الكائن، وافتتاحاً لموسمِ الكشف.

و​ينقلُ عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يصفُ ذلك النقاء الأولي وصنيع الله في حبيبه: "وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِن لَدُن كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِن مَلاَئِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيرِي ..."

​تأمّل كيف أدارت السماءُ مدارات الرحمة، لم يترك الوجود للصدفة العابرة، بل رافقته المعية الإلهية منذ خفقة قلبه الأولى برحيقِ الملكوت، حتى نبتت حواسه على مبادئ الفضيلة، واغتسلت روحه في ينابيعِ العزيمة، كان يمشي في جفاف البطحاء، فتُزهر الحصى تحت قدميه، وتُظلله الغمامة حيثما اعترج، لا لأن السحاب يطيعه بل لأن النور الذي يحمله في أحشائه كان يحرج خجل الشمس في العلياء، وحين اكتملت الدورةُ، وانشق حجاب الغار عن "اقرأ"، لم يتنزل القرآن على كاهله ككلمات تُحفظ، بل كدم دافقٍ يسري في عروق الوجود، غدا يمشي بين الناس مصحفاً ناطقاً، يسعُ بعطفه من جحدوه، ويطوي ببردته خوف المستضعفين.

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق، ​ولأن آل البيت هم خزان هذا السر، وأوعية ذلك النور، فقد ظلوا يذكرون الأمة بأن محمداً ليس ماضياً طواه الجفاف، بل هو نبعٌ يتجدد في كل استضاءة عقل، وفي كل رمشة حُب، وفي كل ثورةٍ على الظلم، فإن ميلاد أحمد هو ميلاد الإنسانِ في أبهى تجلياته، لحظةٌ التقت فيها طينةُ الأرض بقدسية العرش، فصار البشر لأول مرة في التاريخ قادرين على أن يلمسوا السماء بأفئدتهم، ويستنشقوا العطر الإلهي في صورةِ رجل، فاللهم صل على محمد وآل محمد .

النبي محمد
الاخلاق
القيم
الاسلام
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/
    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    كيف يمكن للزوجين كسر الروتين في حياتهم الزوجية؟

    النشر : الثلاثاء 13 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    الماضي.. عود يحترق فيزداد طيبا أم سمّا؟!

    النشر : الأثنين 09 كانون الثاني 2017
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    مع نفحات اليوم العالمي لمحو الأميّة: محو الأمية من أجل الإنعاش المتمحور

    النشر : الخميس 08 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    النشر : منذ 21 ساعة
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    لماذا يتهافت الناس على شراء أحدث إصدارات الهواتف الذكية؟

    النشر : الخميس 03 تشرين الاول 2024
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    ثورة الامام الحسين (ع): ابتدأت بحرب الكلمة وانتهت بمعركة الطف

    النشر : السبت 20 تشرين الاول 2018
    اخر قراءة : منذ 34 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 482 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 316 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 313 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 298 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 298 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 297 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1057 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1020 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1004 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 959 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 799 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 715 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • منذ 21 ساعة
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • منذ 21 ساعة
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • منذ 21 ساعة
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة