• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

هدى المفرجي / الأحد 30 آب 2026 / ثقافة / 496
شارك الموضوع :

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق

في ليلةٍ انخلعت لها أطراف الضباب، وانشق فيها السكون عن هبة نورٍ أربكت العتمة، لم يكن وليدُ مكة مجردَ نَفسٍ يضاف إلى سِجل التراب، بل كان انسياب الروح الأولى وهي ترتدي ثوب الجسد.

​يقفُ الصادقُ جعفر بن محمد (عليه السلام) مستنفراً أسرار الغيب، ليرسم بلسانه تلك اللحظة التي تزلزلت فيها قواعد الوجود، فيقول في رائع حديثه عن بدء هذا الخَلق: "إنّ اللهَ تباركَ وتعالى خَلَقَنا من نورِ عظَمَتِه، ثمّ صَوَّرَ خَلْقَنا من طينَةٍ مَخزُونَةٍ مَكنُونَةٍ من تَحتِ العَرش، فأَسكَنَ ذلكَ النُّورَ فيها، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين، لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا..."

فتأمل كيف يسفرُ الوجود عن سره، فلم تبدأ حكاية أحمد من صرخة مهدٍ في أزقة بطحاء مكة، بل بدأت هناك، في الخفاء الأعظم، حيث كان نُوراً يسبق الزمن، يتقلبُ في أصلاب الشموس، ويعبر صُلب الأنبياءِ كشُعاعٍ لا يُسترق، حتى استقر في أحشاءِ آمنة، فلم تكن ذات حملاً كأحمال النساء، فقد استراح في أحشائها سر الكون،​وفي تلك الليلة الموعودة، حين أطل الفجرُ الهاشمي، لم تُفتح الأبواب كعادتها، بل انشقت ستائر العوالم.

ويروي أهلُ البيتِ عليهم السلام كيف تهاوت أصنامُ العالم على وجوهها صريعة، كأن قوة خفية اقتلعت كبرياءها المزيف، وكيف انسربت النيران المعبودة في بلاد فارس وغارت مياه كانت تجري منذ الدهور، لأن النور الحق قد أضاء، فلا شعلة تعلو فوق شمسِ محمد صلى الله عليه وآله، ولا نبع يروي الروح إلا كوثره،​ لقد ولد يتيماً في الظاهر، لكنه كان أباً لأرواح الخلائق أجمعين، طفل خر ساجداً لحظة خروجه إلى الدنيا، رافعاً سبابته نحو السماء، كأنما كان يُعيد ترتيب الجهات، ويخبر الأرض الثكلى بأن عهد الصمت قد انتهى، وأن فجر التوحيد قد انبثق من قلب العتمة.

​هو ليس مجرد ذكرى تُستعاد، إنه في كل ربيعٍ يُولد فينا من جديد، هو النور الذي تحدث عنه آلُ بيته عليهم السلام، نبعٌ مخزون تحت العرش، تسلل إلى طينتنا الركيكة، فجعل فيها قبساً من سمو، وشيئاً من خلود، ولم يكن ذلكم النور الساطع في أصلابِ التاريخ مجردَ حدث يُؤرخ، بل كان انبعاجاً في رتابةِ الكائن، وافتتاحاً لموسمِ الكشف.

و​ينقلُ عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يصفُ ذلك النقاء الأولي وصنيع الله في حبيبه: "وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِن لَدُن كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِن مَلاَئِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيرِي ..."

​تأمّل كيف أدارت السماءُ مدارات الرحمة، لم يترك الوجود للصدفة العابرة، بل رافقته المعية الإلهية منذ خفقة قلبه الأولى برحيقِ الملكوت، حتى نبتت حواسه على مبادئ الفضيلة، واغتسلت روحه في ينابيعِ العزيمة، كان يمشي في جفاف البطحاء، فتُزهر الحصى تحت قدميه، وتُظلله الغمامة حيثما اعترج، لا لأن السحاب يطيعه بل لأن النور الذي يحمله في أحشائه كان يحرج خجل الشمس في العلياء، وحين اكتملت الدورةُ، وانشق حجاب الغار عن "اقرأ"، لم يتنزل القرآن على كاهله ككلمات تُحفظ، بل كدم دافقٍ يسري في عروق الوجود، غدا يمشي بين الناس مصحفاً ناطقاً، يسعُ بعطفه من جحدوه، ويطوي ببردته خوف المستضعفين.

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق، ​ولأن آل البيت هم خزان هذا السر، وأوعية ذلك النور، فقد ظلوا يذكرون الأمة بأن محمداً ليس ماضياً طواه الجفاف، بل هو نبعٌ يتجدد في كل استضاءة عقل، وفي كل رمشة حُب، وفي كل ثورةٍ على الظلم، فإن ميلاد أحمد هو ميلاد الإنسانِ في أبهى تجلياته، لحظةٌ التقت فيها طينةُ الأرض بقدسية العرش، فصار البشر لأول مرة في التاريخ قادرين على أن يلمسوا السماء بأفئدتهم، ويستنشقوا العطر الإلهي في صورةِ رجل، فاللهم صل على محمد وآل محمد .

النبي محمد
الاخلاق
القيم
الاسلام
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن

    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    من يملك وقتك؟

    التفكير الإيجابي: كيف تتحول الأفكار البناءة إلى سلوك ورفاه وعلاقات أفضل؟

    الناسور العصعصي.. مشكلة صحية تصيب الشباب والرجال أكثر من غيرهم

    آخر القراءات

    زرعك اليوم حصادك غدا

    النشر : الأثنين 07 تشرين الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    رسائل حشود زائري كربلاء

    النشر : الأربعاء 14 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    اللامبالاة والعالم الأزرق

    النشر : الثلاثاء 02 آب 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    بودرة الكاكاو ومشروبه.. طعم لذيذ وفوائد طبية

    النشر : الخميس 26 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    حين يرفض الرجل أن يكبر

    النشر : الثلاثاء 13 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    متى يكون العلم نور؟

    النشر : الأربعاء 01 آب 2018
    اخر قراءة : منذ 33 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 780 مشاهدات

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    • 498 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 443 مشاهدات

    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور

    • 378 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 361 مشاهدات

    طول الطفل بين الجينات ونمط الحياة.. ما العوامل التي تحدد نموه؟

    • 344 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1565 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1158 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1014 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 780 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 707 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 542 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة