• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

هدى المفرجي / منذ 6 ساعة / ثقافة / 244
شارك الموضوع :

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق

في ليلةٍ انخلعت لها أطراف الضباب، وانشق فيها السكون عن هبة نورٍ أربكت العتمة، لم يكن وليدُ مكة مجردَ نَفسٍ يضاف إلى سِجل التراب، بل كان انسياب الروح الأولى وهي ترتدي ثوب الجسد.

​يقفُ الصادقُ جعفر بن محمد (عليه السلام) مستنفراً أسرار الغيب، ليرسم بلسانه تلك اللحظة التي تزلزلت فيها قواعد الوجود، فيقول في رائع حديثه عن بدء هذا الخَلق: "إنّ اللهَ تباركَ وتعالى خَلَقَنا من نورِ عظَمَتِه، ثمّ صَوَّرَ خَلْقَنا من طينَةٍ مَخزُونَةٍ مَكنُونَةٍ من تَحتِ العَرش، فأَسكَنَ ذلكَ النُّورَ فيها، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين، لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا..."

فتأمل كيف يسفرُ الوجود عن سره، فلم تبدأ حكاية أحمد من صرخة مهدٍ في أزقة بطحاء مكة، بل بدأت هناك، في الخفاء الأعظم، حيث كان نُوراً يسبق الزمن، يتقلبُ في أصلاب الشموس، ويعبر صُلب الأنبياءِ كشُعاعٍ لا يُسترق، حتى استقر في أحشاءِ آمنة، فلم تكن ذات حملاً كأحمال النساء، فقد استراح في أحشائها سر الكون،​وفي تلك الليلة الموعودة، حين أطل الفجرُ الهاشمي، لم تُفتح الأبواب كعادتها، بل انشقت ستائر العوالم.

ويروي أهلُ البيتِ عليهم السلام كيف تهاوت أصنامُ العالم على وجوهها صريعة، كأن قوة خفية اقتلعت كبرياءها المزيف، وكيف انسربت النيران المعبودة في بلاد فارس وغارت مياه كانت تجري منذ الدهور، لأن النور الحق قد أضاء، فلا شعلة تعلو فوق شمسِ محمد صلى الله عليه وآله، ولا نبع يروي الروح إلا كوثره،​ لقد ولد يتيماً في الظاهر، لكنه كان أباً لأرواح الخلائق أجمعين، طفل خر ساجداً لحظة خروجه إلى الدنيا، رافعاً سبابته نحو السماء، كأنما كان يُعيد ترتيب الجهات، ويخبر الأرض الثكلى بأن عهد الصمت قد انتهى، وأن فجر التوحيد قد انبثق من قلب العتمة.

​هو ليس مجرد ذكرى تُستعاد، إنه في كل ربيعٍ يُولد فينا من جديد، هو النور الذي تحدث عنه آلُ بيته عليهم السلام، نبعٌ مخزون تحت العرش، تسلل إلى طينتنا الركيكة، فجعل فيها قبساً من سمو، وشيئاً من خلود، ولم يكن ذلكم النور الساطع في أصلابِ التاريخ مجردَ حدث يُؤرخ، بل كان انبعاجاً في رتابةِ الكائن، وافتتاحاً لموسمِ الكشف.

و​ينقلُ عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يصفُ ذلك النقاء الأولي وصنيع الله في حبيبه: "وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِن لَدُن كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِن مَلاَئِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيرِي ..."

​تأمّل كيف أدارت السماءُ مدارات الرحمة، لم يترك الوجود للصدفة العابرة، بل رافقته المعية الإلهية منذ خفقة قلبه الأولى برحيقِ الملكوت، حتى نبتت حواسه على مبادئ الفضيلة، واغتسلت روحه في ينابيعِ العزيمة، كان يمشي في جفاف البطحاء، فتُزهر الحصى تحت قدميه، وتُظلله الغمامة حيثما اعترج، لا لأن السحاب يطيعه بل لأن النور الذي يحمله في أحشائه كان يحرج خجل الشمس في العلياء، وحين اكتملت الدورةُ، وانشق حجاب الغار عن "اقرأ"، لم يتنزل القرآن على كاهله ككلمات تُحفظ، بل كدم دافقٍ يسري في عروق الوجود، غدا يمشي بين الناس مصحفاً ناطقاً، يسعُ بعطفه من جحدوه، ويطوي ببردته خوف المستضعفين.

كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق، ​ولأن آل البيت هم خزان هذا السر، وأوعية ذلك النور، فقد ظلوا يذكرون الأمة بأن محمداً ليس ماضياً طواه الجفاف، بل هو نبعٌ يتجدد في كل استضاءة عقل، وفي كل رمشة حُب، وفي كل ثورةٍ على الظلم، فإن ميلاد أحمد هو ميلاد الإنسانِ في أبهى تجلياته، لحظةٌ التقت فيها طينةُ الأرض بقدسية العرش، فصار البشر لأول مرة في التاريخ قادرين على أن يلمسوا السماء بأفئدتهم، ويستنشقوا العطر الإلهي في صورةِ رجل، فاللهم صل على محمد وآل محمد .

النبي محمد
الاخلاق
القيم
الاسلام
الدين
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/
    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    على عهد الثقلين: أنين الروح في غيبة النور

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    في محراب التغذية الروحية: كيف تصاغ هوية الإنسان؟

    الأحد 09 آب 2026/
    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    سيكولوجية العطاء: الأربعين أسمى صور التكافل الاجتماعي؟

    الخميس 30 تموز 2026/
    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    فلسفة الرفق بالنفس في مواسم الانطفاء والفتور

    السبت 25 تموز 2026/
    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الفراق وهم.. والحب خلودٌ في دماء رقية

    الأثنين 20 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    ميلادُ الرحمة… حين وُلد أبٌ لهذه الأمة

    النور المحمدي.. رحلة المصطفى قبل عالم الدنيا

    هل شرب الماء مع الطعام يؤثر على الوزن؟ دراسة حديثة توضح الحقيقة

    حملة الرسالة.. توفيقٌ إلهي لحفظ الدين وإتمام النور

    في رحاب الاحتواء: قيمة الإنسان حين يصبح وطناً

    لماذا يمكن أن تتكرر الحمى القرمزية أكثر من مرة؟

    فلترة ما يُنشر على الميديا

    آخر القراءات

    في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

    النشر : الأثنين 05 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    هل تعرفونه... ربيع القلوب صبيح الوجه رشيق القد..؟؟

    النشر : الأثنين 20 شباط 2017
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    المنظومة التكامليّة في التحوّل من القوّة إلى الفعل

    النشر : الأربعاء 04 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 14 دقيقة

    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    النشر : الأحد 14 ايلول 2025
    اخر قراءة : منذ 14 دقيقة

    السلام والعدالة والمؤسسات القوية في نهج البلاغة

    النشر : الخميس 08 آب 2024
    اخر قراءة : منذ 14 دقيقة

    احذر.. شرب الشاي بهذا الشكل قد يسبب سرطان المريء

    النشر : الأربعاء 19 تشرين الثاني 2025
    اخر قراءة : منذ 15 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 879 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 700 مشاهدات

    في رحاب الاحتواء: قيمة الإنسان حين يصبح وطناً

    • 388 مشاهدات

    كيف تتعاملين مع الرجل النرجسي من غير أن يأثر ذلك على بيتك وأسرتك؟

    • 364 مشاهدات

    اليوم العالمي للعمل الإنساني... خلف المشهد أياد تمتد وأثر يبقى

    • 324 مشاهدات

    الخس.. فوائد غذائية تتجاوز كونه مكوّناً للسلطات

    • 313 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1068 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 955 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 879 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 755 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 700 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 665 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض
    • منذ 6 ساعة
    ميلادُ الرحمة… حين وُلد أبٌ لهذه الأمة
    • منذ 6 ساعة
    النور المحمدي.. رحلة المصطفى قبل عالم الدنيا
    • منذ 6 ساعة
    هل شرب الماء مع الطعام يؤثر على الوزن؟ دراسة حديثة توضح الحقيقة
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة