في ليلةٍ انخلعت لها أطراف الضباب، وانشق فيها السكون عن هبة نورٍ أربكت العتمة، لم يكن وليدُ مكة مجردَ نَفسٍ يضاف إلى سِجل التراب، بل كان انسياب الروح الأولى وهي ترتدي ثوب الجسد.
يقفُ الصادقُ جعفر بن محمد (عليه السلام) مستنفراً أسرار الغيب، ليرسم بلسانه تلك اللحظة التي تزلزلت فيها قواعد الوجود، فيقول في رائع حديثه عن بدء هذا الخَلق: "إنّ اللهَ تباركَ وتعالى خَلَقَنا من نورِ عظَمَتِه، ثمّ صَوَّرَ خَلْقَنا من طينَةٍ مَخزُونَةٍ مَكنُونَةٍ من تَحتِ العَرش، فأَسكَنَ ذلكَ النُّورَ فيها، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين، لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا..."
فتأمل كيف يسفرُ الوجود عن سره، فلم تبدأ حكاية أحمد من صرخة مهدٍ في أزقة بطحاء مكة، بل بدأت هناك، في الخفاء الأعظم، حيث كان نُوراً يسبق الزمن، يتقلبُ في أصلاب الشموس، ويعبر صُلب الأنبياءِ كشُعاعٍ لا يُسترق، حتى استقر في أحشاءِ آمنة، فلم تكن ذات حملاً كأحمال النساء، فقد استراح في أحشائها سر الكون،وفي تلك الليلة الموعودة، حين أطل الفجرُ الهاشمي، لم تُفتح الأبواب كعادتها، بل انشقت ستائر العوالم.
ويروي أهلُ البيتِ عليهم السلام كيف تهاوت أصنامُ العالم على وجوهها صريعة، كأن قوة خفية اقتلعت كبرياءها المزيف، وكيف انسربت النيران المعبودة في بلاد فارس وغارت مياه كانت تجري منذ الدهور، لأن النور الحق قد أضاء، فلا شعلة تعلو فوق شمسِ محمد صلى الله عليه وآله، ولا نبع يروي الروح إلا كوثره، لقد ولد يتيماً في الظاهر، لكنه كان أباً لأرواح الخلائق أجمعين، طفل خر ساجداً لحظة خروجه إلى الدنيا، رافعاً سبابته نحو السماء، كأنما كان يُعيد ترتيب الجهات، ويخبر الأرض الثكلى بأن عهد الصمت قد انتهى، وأن فجر التوحيد قد انبثق من قلب العتمة.
هو ليس مجرد ذكرى تُستعاد، إنه في كل ربيعٍ يُولد فينا من جديد، هو النور الذي تحدث عنه آلُ بيته عليهم السلام، نبعٌ مخزون تحت العرش، تسلل إلى طينتنا الركيكة، فجعل فيها قبساً من سمو، وشيئاً من خلود، ولم يكن ذلكم النور الساطع في أصلابِ التاريخ مجردَ حدث يُؤرخ، بل كان انبعاجاً في رتابةِ الكائن، وافتتاحاً لموسمِ الكشف.
وينقلُ عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يصفُ ذلك النقاء الأولي وصنيع الله في حبيبه: "وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ مِن لَدُن كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِن مَلاَئِكَتِهِ يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيرِي ..."
تأمّل كيف أدارت السماءُ مدارات الرحمة، لم يترك الوجود للصدفة العابرة، بل رافقته المعية الإلهية منذ خفقة قلبه الأولى برحيقِ الملكوت، حتى نبتت حواسه على مبادئ الفضيلة، واغتسلت روحه في ينابيعِ العزيمة، كان يمشي في جفاف البطحاء، فتُزهر الحصى تحت قدميه، وتُظلله الغمامة حيثما اعترج، لا لأن السحاب يطيعه بل لأن النور الذي يحمله في أحشائه كان يحرج خجل الشمس في العلياء، وحين اكتملت الدورةُ، وانشق حجاب الغار عن "اقرأ"، لم يتنزل القرآن على كاهله ككلمات تُحفظ، بل كدم دافقٍ يسري في عروق الوجود، غدا يمشي بين الناس مصحفاً ناطقاً، يسعُ بعطفه من جحدوه، ويطوي ببردته خوف المستضعفين.
كان يبتسم فتورق القلوب الميتة، ويقضي بالعدل فتتساقط أقنعة الجبابرة، كأنما خُلق ليكون الجسر الأوحد بين ترابيتنا الفانية وأبدية الخالق، ولأن آل البيت هم خزان هذا السر، وأوعية ذلك النور، فقد ظلوا يذكرون الأمة بأن محمداً ليس ماضياً طواه الجفاف، بل هو نبعٌ يتجدد في كل استضاءة عقل، وفي كل رمشة حُب، وفي كل ثورةٍ على الظلم، فإن ميلاد أحمد هو ميلاد الإنسانِ في أبهى تجلياته، لحظةٌ التقت فيها طينةُ الأرض بقدسية العرش، فصار البشر لأول مرة في التاريخ قادرين على أن يلمسوا السماء بأفئدتهم، ويستنشقوا العطر الإلهي في صورةِ رجل، فاللهم صل على محمد وآل محمد .








اضافةتعليق
التعليقات