• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

مريم حميد الياسري / الأثنين 05 آيار 2025 / منوعات / 1898
شارك الموضوع :

عادت والدتي من المشفى، ولم تسمح الجدة لأيٍّ منا برؤية أخينا أيامًا، حتى سمحت لنا بمشاهدته من بعيد

قبل واحدٍ وعشرين عامًا، كنا ننتظر على قلقٍ خبرًا من أمي، التي ذهبت إلى المشفى برفقة خالاتي لتضع أخي الأصغر مهدي. ولم يمض وقتٌ طويل حتى سمعت صوت الزغاريد من مطبخ بيت جدي لأمي. كنا نشاركهم البيت ذاته.

كانت المرة الأولى التي أسمع وأرى فيها جدتي تهزج، مستحضرةً كل قوتها الجنوبية، وكل تراثها. ولم أحفظ من أهازيجها آنذاك سوى:

"أفرح يا أحميد جاك اللي بيه الهيبة"

وكان المقصود بـ"أحميد" هو أبي، السيد حميد، الذي لبّى نداء خالته وسافر على جناح السرعة من البصرة إلى بغداد ليشاركها أهازيجها ويذبح عقيقة للمولود الجديد.

عادت والدتي من المشفى، ولم تسمح الجدة لأيٍّ منا برؤية أخينا أيامًا، حتى سمحت لنا بمشاهدته من بعيد دون أن نلمسه. كنتُ أحدث نفسي بقرص خدوده الحمراء الطافحة، أو على الأقل أتأمل عينيه البنيتين.

قالت أمي لتجبر بخاطري:

"مريم، أول ما اجت للدنيا، قمر مثله، وأهدابها كانت واصلة لخدها."

لكن الجدة بادرتها:

"تروح له ستين فدوة."

لم يكف دعاء الجدة لمهدي وتحصينها إياه، والدعاء على كل من يقترب منه، حتى لو كانت ابنتها (أمي).

لم تسمح أن يخرج من المنزل إلا بعد ستة أشهر، تحت عباءتها، لتزوره الإمام الكاظم (عليه السلام)، رغم ثقل الطفل الممتلئ على يديها، وكانت قد دخلت في السبعين من عمرها.

لم تقبل أن يحمله غيرها. خرجت به خائفة، وعادت خائفة من أن تصيبه العين. تنشر أدعيتها وتحصنه بكل ما تحفظ وتعرف من آيات القرآن. أحبّته كما لو أنها لم تُنجب ثماني بنات وخمسة أولاد، ولم تربِّ العشرات من الأحفاد.

بدأ الطفل يأكل، فصامت هي فرحًا، وكأنها رأت الملائكة تأكل من مائدتها، وادّخرت كل أكلة تفرحه. بدأ يمشي، فبدأت هي تحيطه بيديها، ودموعها، وأهازيجها. تستيقظ ليلًا لتتفقده، ويستيقظ هو كما لو فقد الأُنس بصدر أمه، قائلًا:

"بيبي بخ"

مشيرًا إلى صوت تنفّسها وهي نائمة، طالبًا من أمي أن تأخذه إلى حضن الجدة.

تمتنع والدتي، فيبكي، فتصب الجدة جام غضبها على أمي:

"نومة من الجنة من ينام مهدي على يدي!"

"يمه، الطفل ثقيل على يدك!"

إن شاء الله تنشل إيدج، مالج غرض.

أحبّته بشكل لا يقبل جدالًا، ولا اعتراضًا، ولا حتى من أمي.

يومًا ما، سُكب ماء دافئ على أطراف غرّته فطفح جلده، فانهارت الجدة وقالت لأمي:

"حباية بيدج، حباية بقلبج، شلون تسهين عن الولد؟"

خافت أمي من تعلق الجدة بمهدي، لأنها بدورها متعلقة بجدتي.

وكانت تظن أنها ستُعمّر مئة سنة، وتربّي أولادنا، وكانت تقول:

"سأموت مطمئنة لأن أمي ستربيكم."

في نهاية شهر 11 من عام 2003، مرض مهدي بإنفلونزا غريبة لم نعرف إن كانت وبائية، ولم تفلح معها الأدوية.

لكن الجدة حسمت أمرها مع الحياة:

"لا حياة في حياة يمرض فيها مهدي."

أطلت من باب غرفة الضيوف بوجهها القمري، وثوبها القديفة البني المورّد، وجاكيتها الصوف، رافعةً يديها بتهديد:

"لا تظنين أعيش إذا صار بمهدي شيء."

بعد أيام، تعافى مهدي، ومرضت الجدة.

دخلت المشفى. الخبر جعل والدتي ترتدي جبتها الكحلية كالمجانين، وتحمل مهدي وتركض إلى المشفى. طافت حول سرير أمها بمهدي، وهي تقول لها:

"يمه، أنا أفتديك بروحي، أفتديك بمهدي."

لكن هذه المرة، الجدة لم تقوَ على الكلام لتقول لأمي "حباية بيدج بقلبج"،

قالت فقط:

"أنتِ وأهلج ترحين فدوة لمهدي. أنا عجوز، شلي بهالدنيا؟"

أشارت بيدها لأمي أن: "اسكتي."

فزاد انهيار أمي:

"يمه، أنا بعدني قوية، وأجيب خمسة، عشرة مثل مهدي، بس أنتِ منين أجيب مثلج، يمه؟ قومي!"

اضطرت خالتي لإخراج والدتي من غرفة الجدة رأفةً بالجميع، ومنعتها من زيارتها لأيام، حتى لا يتكرر ذات الموقف.

بعدها، سمعت والدتي بخبر تعرّض أمها لما يُسمى بـ"صحوة الموت"، لكنها فسّرتها على أنها "صحوة حياة"، وأن الله استجاب لافتدائها الجدة بمهدي.

طلبت الجدة ما تشتهيه من العصير. إلا أن أمي أعدّت لوالدتها حلاوة جزر، كانت تفكر بأخذ الطبق وتناوله بمعيّتها.

كانت تهتف:

"أمي عادت، أمي تشتهي الأكل!"

إلا أن الجدة أُخرجت من المشفى قبل أن تذهب لها أمي.

فقد دخلت بمرحلة سكرات الموت، وأذِن الطبيب بإخراجها لتقضي الدقائق الأخيرة من حياتها بين أولادها وأحفادها.

قبّلها مهدي، واستدار لأمي قائلًا:

"بيبي بخ."

نامت بيبي نومتها الأبدية، ولم تنم روحها عن مهدي.

في كل مرة يدخل بغيبوبة سكر، أو يخضع لعملية، تزور الجدة أمي في المنام وتعصب رأس مهدي. في آخر مرة، سهرت والدتي مع الفتى المريض، وهمدت عيناها بنوم، فرأت الجدة تعاتبها:

"نامي، فلا أستطيع زيارتكم إلا في المنام."

ركضت أمي كالأطفال وراء أمها:

"يمه، أخذيني وياج!"

فدفعتها وقالت:

"ومهدي، من له؟"

وقاطعتها أمي، فلم تزر مناماتها بعدها.

الطفل
الحب
قصة
العاطفة
الأم
الأسرة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    شاهدان من الصخر: نقوش بني عقيل في القرن الأول الهجري

    شاهدان من الصخر: نقوش بني عقيل في القرن الأول الهجري

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    وجع الآباء في ليلة الشباب الشهيد

    وجع الآباء في ليلة الشباب الشهيد

    الأحد 19 تموز 2026/
    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    الخميس 02 تموز 2026/
    دخول سينمائي إلى ذاكرة الدراسات الدولية

    دخول سينمائي إلى ذاكرة الدراسات الدولية

    الأثنين 08 حزيران 2026/
    الأمير.. تاج الغدير

    الأمير.. تاج الغدير

    الثلاثاء 02 حزيران 2026/
    لعنة المقارنة

    لعنة المقارنة

    السبت 30 آيار 2026/

    آخر الاضافات

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    بين الأمومة والطموح.. نساء غيّرن مساراتهن المهنية من أجل أطفالهن

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الجانب المظلم للذكاء: لماذا يشعر الناجحون أنهم نصابون؟

    آخر القراءات

    حرية الصحافة يوم عالمي مع مهزلة التنفيذ

    النشر : الأحد 05 آيار 2024
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    كيف تتسبب العنصرية في أمراض خطيرة؟

    النشر : الخميس 25 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    ثقافة الصحفي وكفاءته المهنية

    النشر : السبت 01 آذار 2025
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    كيف نتابع الأخبار؟

    النشر : الأحد 19 آيار 2024
    اخر قراءة : منذ 37 دقيقة

    كأمنّا خديجة

    النشر : السبت 23 تموز 2016
    اخر قراءة : منذ 38 دقيقة

    بالكلمة الطيبة قوة الأثر والتغير

    النشر : الخميس 02 تشرين الاول 2025
    اخر قراءة : منذ 38 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 311 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 298 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 296 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 291 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 286 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 283 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1103 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1087 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1038 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 980 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 735 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 648 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • منذ 7 ساعة
    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع
    • منذ 7 ساعة
    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة
    • منذ 7 ساعة
    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك
    • الثلاثاء 15 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة