مسلم بن عقيل بن أبي طالب ختم الشهادة وصاحب الكرامة إلى يوم القيامة، إذ يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق آل أبي طالب عليه السلام، وأكرم التحية:
«رحم الله عمَّ أبي طالب، فلو ولد الناس كلهم لولدوا شجعانًا»(1)، فجاء مسلم بن عقيل امتدادًا لسيرة المدد الرباني المتمثل بمسيرة أبي طالب، ناصر الإسلام الأول وحامي النبوة في يتمها وحافظ سرها، والفادي لدعوتها، امتدادًا لأخوّة علي بن أبي طالب (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
فكيف لا يكون مسلم بن عقيل كذلك، وهو ضمن نظام اللؤلؤ السماوي الطالبي؟ واليوم نتأمل نقشًا تركه على غرة الإخلاص لله جل جلاله، إذ يُعد نقش «أنا مسلم بن عقيل أوصي ببرّ الله والرحم» من النقوش الإسلامية المبكرة ذات الأهمية التاريخية، وقد عُثر عليه في منطقة قريبة من المدينة المنورة.
نُقش النص على واجهة صخرية بخط عربي مبكر، وجاء فيه: «أنا مسلم بن عقيل أوصي ببر الله والرحم»، وهي عبارة وعظية تحمل معاني التقوى وصلة الأرحام التي شكّلت إحدى القيم المركزية في المجتمع الإسلامي الأول.
يُؤرَّخ النقش إلى القرن الأول الهجري اعتمادًا على خصائصه الباليوغرافية، ومن أبرزها شكل الحروف وطريقة التنقيط، ولا سيما هيئة حرف الصاد المستطيل المشابه لما يظهر في عدد من النقوش المؤرخة من بعد عصر الخلفاء (2).
ومن غيرك وأنت مسلم بن عقيل يعرف بر الله وبها، من جملة بليغة جمع بها مسلم بن عقيل جوامع المنى والطلب والغاية من خلق وسعي، فبر الله يختصر كل شيء ويضم كل شيء من رضوان وحمد وتصالح مع النفس، ومن معرفة لله سبحانه وتعالى حق معرفته وتقديره حق قدره، وبر الوالدين هو الشطر الثاني من نيل الرضا الإلهي وباب السرور في الدنيا والآخرة. امتداد لهذا البر جاء نقش عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، رضوان الله عليهم جميعًا.
فقد اكتشفه الباحث محمد لمغذوي، وهو نقش صخري نادر في صحراء المدينة المنورة، يُنسب إلى عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، رضوان الله عليهم جميعًا، ويعود إلى العصر الإسلامي المبكر في النصف الأول من القرن الأول الهجري.
كُتب بخط حجازي بسيط، ويحمل دعاءً شخصيًا مؤثرًا، شاهد إيمان أريد به وجه الله تعالى، فشهد على القرون كالدرة على جبين الدهر. أراد الله لاسمه وتقديسه عبر هؤلاء المكرمين أن يبقى دليل تكريم رباني للسادة الطالبين، فيقول نص النقش: «اللهم اغفر لعبد الرحمن بن عقيل ولوالديه ولمن قال آمين، ولا غفر الله لمن يغير كتابه مرارًا»(3).
يجمع النص بين الدعاء بالمغفرة للكاتب ووالديه، والتأمين من القارئ، مع تحذير من التلاعب بالنقش، مما يعكس وعيًا مبكرًا بقدسية الكتابة. كتبه: عبد الرحمن بن عقيل، ابن عم الإمام الحسين عليه السلام، وأكرم التحية، وابن عقيل بن أبي طالب بن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد استشهد في معركة كربلاء (يوم الطف) عام 61 هـ/680 م، مع أخويه مسلم وجعفر وغيرهم من آل البيت، دفاعًا عن الحسين عليه السلام، ليكون امتداد التتويج الفداء الطالبي الذي خطه أبو طالب، ثم الفدائي الأول في الإسلام علي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي طالب ذي الجناحين، فسلامًا على الطالبين الذين أخلوا ديارهم وجعلوه عبرة حرى في صدر الأبد.








اضافةتعليق
التعليقات