عند تتبع سور القرآن الكريم، نجد أن هناك تعدداً في الآيات التي خاطبت أهل الإيمان والعمل الصالح، والملفت هو أنها تنوعت في وصف جزائهم من حيث كونه أخروياً، ومن حيث الأثر الطيب في الدنيا أيضاً؛ تبعاً لسياق الآية وطبيعة عمل أهل الإيمان في تلك الآية.
وبما أن القاعدة تقول: [إن الجزاء من سنخ العمل] فهذا يجعلنا نبحث في ما قبل وما بعد هذه الآيات لنعلم ما هو مصداق هذا الإيمان، وما هو هذا العمل الصالح الذي يوصل لهذا الجزاء المذكور.
المصداق الأول في سورة الكهف: نُزلان بين وعد ووعيد
في هذه السورة نجد أن هناك نُزلين:
الأول: نزل الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢].
الثاني: نزل المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
إذ تعني كلمة (النُّزل) المقام المهيأ للكافرين؛ إذ جاءت مفردة ﴿أَعْتَدْنَا﴾ وهي من العُدّة والعتاد الذي يُهيأ لحرب العدو، فهي مناسبة للمقام المذكورين في الآية وعملهم الذي هو اتخاذ من دون الله تعالى أرباباً، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢]. أما في المنزل الثاني، كان النسق مختلفاً تماماً؛ إذ فيه من وعد حتمي لمن آمن وعمل صالحاً.
وكأن في ذلك [الوعيد] وهذا [الوعد] إشارة إلى رحمة الله تعالى الواسعة؛ فالأصل هو الوعد وإنما الوعيد للتحذير، فتعالى لم يخلقنا لندخل جهنم، بل نحن من نختار أن يتحقق فينا -والعياذ بالله - هذا الوعيد.
ما الذي يوصل الإنسان ليتحقق فيه هذا الوعيد؟
الملفت أن الله تعالى في هذه الآيات فصّل فيما يوصل لجهنم لا الفردوس؛ إذ إن الكفار ليسوا بلا عمل، بل هم من أهل العمل لكنه صنف بأنه غير صالح. وفي ذلك اليوم يصل هناك فيدخل لجهنم بلا حساب ولا كتاب، وهذا مصير خطير يصل إليه الكافر بحيث لا يجد في ذلك اليوم لنفسه شفاعة ولا غفران.
ثلاث معتقدات وأعمال توصل الإنسان لهذا المصير
أي أن لا يكون من أهل الإيمان والعمل الصالح، بل من أهل الكفر والعمل الطالح:
المعتقد الأول: الشرك العقائدي والعملي: قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢].
المعتقد الثاني: العمل للدنيا والاعتقاد بأن هذا هو المطلوب من الإنسان في الدنيا: قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].
المعتقد الثالث: الجحود بآيات الله تعالى وعدم الاعتقاد بلقائه والرجوع إليه في يوم القيامة، مما يجعل عمل هذا الإنسان ليس فيه قربى ولا هو زاد لذلك الملتقى؛ قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
من هذا نصل إلى أن الوصول إلى مصير أهل الفردوس يكون: بالتوحيد الخالص ونفي الشرك، والسعي في الحياة الدنيا ابتغاء جزاء الآخرة، والإيمان بآيات الله تعالى والتسليم لها، والإيمان بالمعاد واليقين بلقاء الله تعالى.








اضافةتعليق
التعليقات