في حوار النبي إبراهيم (عليه السلام) مع أبيه: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: ٤٧]، وفي حوار النبي يعقوب (عليه السلام) مع أبنائه: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: ٩٧ - ٩٨]، جاء الحديث عن كونهم الوسطاء للاستغفار بـ (سَأَسْتَغْفِرُ)، و(سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ)، ولكن عندما يكون الحديث عن كون المستغفِر هو النبي الخاتم فإن الأمر مختلف تماماً، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} [النساء: ٦٤]، إذ أن هناك فرقاً ومقاماً إلهياً خُصَّ به (صلوات الله عليه وآله).
مقام نبويّ بفارقين
الأول: النبي واسطة للاستغفار لكل أحد شرط المجيء إليه وقصده كوسيلة لنيل الغفران الإلهي، إذ تقدّم المجيء إليه - كشرط - توسط بين استغفارهم له واستغفار النبي لهم، بينما في آيتي النبيين كان الحديث عن استغفارهما لمن هم من أهل القربة والخاصة- ومن الجدير بالذكر إلى أن النبي إبراهيم (عليه السلام) وعد بالاستغفار لأبيه قبل أن يتبين له أنه عدو لله كما بيّنت سورة التوبة نفسها: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}، فهو لم يكن وسيط غفران حتى لأبيه عندما علم بإصراره على اعتقاده الباطل.
الثاني: قبول الاستغفار النبوي من الله تعالى لهذا المستغفر بالمباشرة، وذلك بقوله: {لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}، بل إن الآية استخدمت صيغة المبالغة في تحقق التوبة من الله على العبد وتمَّمتها بنيل الرحمة، تلك التي ينال بها العبد التائب عناية خاصة. ففي الآيتين السابقتين كانت الاستجابة مؤجلة بـ(السين) و(سوف)؛ فالنبي إبراهيم (عليه السلام) استخدامه لـ(سأستغفر) إذ فيها شيء من التعجيل الذي يناسب حاله وهو رغبته في أن يغفر الله تعالى لأبيه، أما عبارة (سوف أستغفر) ففيها تأَنٍّ وتراخٍ في الاستجابة؛ لعل من أسباب ذلك التناسب مع خطورة وسوء ما فعلوا.
لماذا خُصَّ النبي بهذا المقام؟
لأنه أُرسِل لهذه الغاية وهي الرحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، لا للتبشير والإنذار، ولا للتبليغ والدعوة فقط - كما أرسل باقي الرسل- بل ليكون مظهراً لرحمة الله في أرضه، لذا نجد أنه كان من صفاته الكاشفة عن أنه صلوات الله عليه محض رحمة.
شواهد قرآنية ثلاثة
الشاهد الأول: قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف: ٦].
إذ جاء في تفسير حال النبي في هذه الآية" أي: أنّك على قدر من الحزن والغم لعدم إيمانهم بحيث تريد أن تهلك نفسك من شدّة الحزن قبل أن تُمحى آثارهم؛ فـ: "باخع" من "بخع" وهي بمعنى إهلاك النفس من شدّة الحزن والغم. وكلمة "أسفاً": تبيّن شدّة الحزن والغم، هي تأكيد على هذا الموضوع " (١).
الشاهد الثاني: قال تعالى: {… فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: ٨].
ذُكِر في تفسيرها: "أنّ المقصود منها مخاطبة الرّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن لا يتألّم من شدّة أذى ومخالفات هؤلاء، إذ أنّ الله مطّلع على أعمالهم تماماً وسينتقم منهم في الوقت المناسب"، وأشار المفسر: "إن التعبير بـ "حسرات" الذي هو "مفعول لأجله" لما قبله في الجملة، إشارة إلى أنّه ليس عندك عليهم حسرة واحدة، بل حسرات: "حسرة" على تضييع نعمة الهداية، "حسرة" على تضييع جوهر الإنسانية، "حسرة" على تضييع حاسّة التشخيص إلى حدّ رؤية القبيح جميلاً، وأخيراً "حسرة" على الوقوع في نار الغضب والقهر الإلهي»" (٢).
الشاهد الثالث: قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]. ولعل هذا الشاهد هو الأوضح والأتم في معرفة سبب نيل النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هذه الميزة، إذ جاء في تفسيرها:
"إنها تقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}، خاصة وأنّه قد وردت لفظة {مِنْ أَنفُسِكُمْ} بدل {منكم}، إشارة إلى شدة ارتباط النّبي (صلّى الله عليه وآله) بالناس، ولهذا السبب فإنّه يعلم كل آلامهم، ومطلع على مشاكلهم، وشريكهم في غمومهم وهمومهم، وبالتالي لا يمكن أن يُتصور صدور كلام منه إلّا في مصلحتهم، ولا يخطو خطوة إلّا في سبيلهم، وهذا في الواقع أوّل وصف للنّبي (صلّى الله عليه وآله) ذُكِر في هذه الآية.
ثم أشارت الآية إلى أربع صفات أخرى من صفات النّبي (صلّى الله عليه وآله) السامية، ففي البداية تقول: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}، أي أن الأمر لا ينتهي في أنّه لا يفرح لأذاكم ومصاعبكم، بل إنّه لا يقف موقف المتفرج تجاه هذا الأذى، فهو يتألم لألمكم،… ثمّ تضيف أنّه: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} ويتحمس لهدايتكم. إذ أن كلمة "الحرص" في اللغة بمعنى قوة وشدة العلاقة بالشيء،… واللطيف هنا أن الآية أطلقت القول وقالت: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} فلم يرد حديث عن الهداية، ولا عن أي شيء آخر" (٣).
ثمّ تشير إلى الصفتين الثّالثة والرّابعة وتقول: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ وقيل في معنى الرأفة بأنها "أخص من الرحمة، فبها يُمنع الشر والمكاره قبل وقوعها، وفي الرحمة دفعه بعد وقوعه وإفاضة الخير والإحسان وإيصال المنافع" (٤).
ومن هنا نفهم ما قاله بعض السلف -كما جاء في تفسير مجمع البيان- : "لم يجمع الله سبحانه لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا للنبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه قال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[البقرة: ١٤٣]، وقال في حق نفسه: {إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحج: ٦٥]" (٥).
———-








اضافةتعليق
التعليقات