في فقرة من دعاء الندبة نقول فيها : "أَيْنَ الْمُعَدُّ لِقَطْعِ دَابِرِ الظَّلَمَةِ ؟"(١)، نجد إن هذه العبارة تستمد أصلها من النص القرآني الكريم، حيث نُسب فعل قطع دابر القوم الظالمين إلى الله تعالى، وذلك في قوله: {فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} (٢). وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يشير إلى هذا المعنى، حيث قال: « ومن أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يُعصی الله. إنّ الله تبارك وتعالی حمد نفسه علی إهلاك الظلمة، فقال:{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}» (٢). وفي هذه العبارة الشريفة من الدعاء، يتجلى لنا أن الله تبارك وتعالى قد أعدَّ خليفته وخاتم حججه لهذه المهمة العظيمة، وهي إنهاء وجود الظلم والجور.
أبرز أوجه معاني كلمة "دَابِرِ"
تحمل كلمة (دَابِرِ) معاني متعدّدة، يمكن أن نوجزها في وجهين رئيسيين يتعلقان بالظالم ومنهجه:
أولا: القطع بمعنى الاستئصال للخلف والامتداد
فـ(دَابِرِ) بمعنى ما هو خلف الشيء وتبعه، فالظالم لا يزول بانتهاء شخصه، بل يترك وراءه من يُبقي منهجه ومنظومته الظالمة جارية، والقطع هنا يعني إنهاء هذا الظالم ومنهجه وكل من يتبعه من خلفه. أما الفائدة العملية على المستوى الفردي: إذا ظُلم إنسان وسكت عن حقه ولم يطالب به، فإنه يكون مصداقًا لعدم قطع هذا الظلم بل ومُعينًا على استمراره، وعليه أن يبادر لرفض الظلم والظالمين.
ثانيا: القطع بمعنى إنهاء التدبير والمنهج الظالم: (دَابِرِ) بمعنى التدبير والتخطيط ورسم المناهج التي تغذي النفوس على الظلم وتُبعدها عن العدل. الظلم ليس مجرد فعل عابر، بل هو فكرة تُحمل، وثقافة تُنشر، ومنهجية تُتّبع. وقد يُقضى على صاحب الظلم، لكن فكرته قد تبقى. لذا، فإن قطع هذه الأفكار والمناهج الظالمة هو الذي يُفسح المجال لنشر واتساع منهج العدل، والأهم من ذلك، العمل به. وهذا ما يجعل دولة إمام العصر والزمان (عجل الله فرجه) تتميز بكونها دولة العدل الإلهية المطلقة.
علامة فارقة للنجاة من صنف الظالمين
يشير القرآن الكريم إلى حالة استدراج خطيرة تسبق هلاك الظالمين التي ذُكرت في الآية التي تقدم ذكروها وهي معللة في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} (٣).
هذه الآية تُبين السبب وراء هلاكهم بعبارة (فَلَمَّا)، إذ أحيانًا يقع الإنسان في الظلم، فيأتيه تذكير فلا يتذكر، وتأتيه موعظة لكنه لا يعتني بها؛ هنا يأتي الاستدراج الإلهي، فلا ينزل به ابتلاء ولا يمسه بأس، بل الآية تقول (فَرِحُوا)، وكأنه يطمئن لكونه على خير وصلاح! عندئذ، ينزل العذاب عليه (بَغْتَةً) فيهلك، ويصل إلى مرحلة اليأس من شموله برحمة الله تعالى وذلك بقوله (مُبْلِسُونَ).
فهذه العلامة بالغة الأهمية كي لا يغفل الإنسان عندما يقع في ظلم، بل عليه أن يبادر فوراً بالتوبة وإرجاع الحقوق إلى أهلها. فالنجاة والانتصار لإمام الزمان تتطلب أن يكون الإنسان: إما ممن لا يَظلم، وإن وقع في الظلم عاد بالتوبة الصادقة وإرجاع الحقوق، أو أن يكون من أهل الورع، فيُشيع العدل ويقطع دابر الظلمة بالفعل والقول.








اضافةتعليق
التعليقات