بشَّر الله تعالى في كتابه الكريم عباده الصالحين بوراثة الأرض والاستخلاف فيها، وربط هذا الوعد الإلهي بنصرٍ مؤزَّر وتمكينٍ شامل للدين الحق، في إطار مشروع إلهي يتجسّد في قيام الدولة الإلهية العادلة على يد المنقذ الموعود الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، في عصرٍ مشرق تُظلِّله قيم الإيمان والعدل والحرية والسلام. قال تعالى:
﴿… أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105)، وقال سبحانه:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: 55)، كما قال عزّ من قائل:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
وتؤكّد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ هذه الوعود القرآنية لم تتحقق بعدُ تحققًا تامًا وشاملًا، وإنما يُنجَز مداها الكامل في عصر الظهور المهدوي. وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أنّ المراد به الإمام المهدي من ولد فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليهما)، حيث تنبئ الآية عن انتصارٍ حاسم وشامل للدين الحق على جميع المذاهب والأديان والأنظمة الوضعية والسماوية.
وقد تواترت الروايات عن أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) في بيان ملامح الدولة المهدوية المحمودة، التي لا تزول ولا تفنى، وفي التأكيد على خروج رجل من ذرية فاطمة (عليها السلام)، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا. وينسجم هذا المعنى مع ما ورد في دعاء الافتتاح الشريف، حيث يُتلى:
«اللَّهُمَّ وَصَلِّ عَلَى وَلِيِّ أَمْرِكَ القَائِمِ المُؤَمَّلِ وَالعَدْلِ المُنْتَظَرِ… اسْتَخْلِفْهُ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفْتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِ، وَمَكِّنْ لَهُ دِينَهُ الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ»،
وكذلك: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ تُعِزُّ بِهَا الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ».
ومن أبرز الخصائص العقدية لدولة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) أنّها دولة خالدة لا يكتب لها الزوال، تمتدّ زمانًا ومكانًا إلى يوم القيامة، بخلاف الدول والحضارات الكبرى التي شهدها التاريخ الإنساني، مهما بلغت من القوة والعمران، كدولة النبي سليمان وذي القرنين (عليهما السلام)، والتي كتب الله لها الانتهاء والفناء.
ويُلاحظ في سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أنهم كانوا يتعاملون بمنتهى الحذر والكتمان في الإخبار التفصيلي عن شخص الإمام المهدي ودولته، نظرًا لخطورة الظروف السياسية التي عاشوها في ظل حكومات جائرة كانت تترصد أخبار القائم المنتظر. ولذلك كانوا إذا سُئلوا: «من منكم المهدي؟» يجيبون: «المهدي منا أهل البيت يجعله الله حيث يشاء»، حفظًا للمشروع الإلهي من الاستئصال قبل أوانه.
وتشير الروايات إلى أنّ الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) سيقيم في ظل دولته الكريمة بناءً حضاريًا إلهيًا عظيمًا، يُمهِّد لمرحلة الرجعة المباركة، حيث يرجع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والأئمة الطاهرون (صلوات الله وسلامه عليهم) أجمعين، وفق ما دلّت عليه نصوص القرآن الكريم والروايات الشريفة.
ومن أعجب ما ورد في الأخبار أنّ هذه الدولة، رغم ما يحيط بها من فتن وأحداث جسام، ستبقى محفوظة بحفظ الله تعالى، لا تنال منها العواصف ولا المحن، في زمن الرجعة وما بعده، إذ يتكفّل الله بحفظها وصاحبها بحوله وقوته.
كما تصف الروايات مستوى التحول الوجودي والعلمي في ظل الدولة المهدوية، حيث ينال البشر نعمًا غير مسبوقة؛ فيُستغنى عن مصادر الطاقة المادية، ويُكتفى بنور وجه الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وتصبح العلوم حضورية لدنية، وتتكامل العقول، فلا يبقى مجال للجهل أو الفقر أو الظلم أو الحسد. ويُحكم حينها بكتاب الله وسنة نبيه، ويُعمّ القسط والعدل والأمن والسلام والقانون الإلهي. قال تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (فصلت: 21).
وتفيض السماء بالخيرات، وتُخرج الأرض بركاتها دون انقطاع، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الله تعالى «يسقيه الغيث، وتُخرج الأرض نباتها، ويُعطى المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة».
وروى الإمام الباقر (عليه السلام) في وصف أصحاب القائم: «كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين، ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم، حتى سباع الأرض وسباع الطير»، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الرجل منهم يُعطى قوة أربعين رجلًا، وأن قلوبهم أشد من زبر الحديد.
كما تمتدّ الكرامات الخاصة بزائري الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ظل الدولة المهدوية، حيث تذكر رواية المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (عليه السلام) مشاهد عظيمة من التكريم الإلهي لزوار الحسين في الدنيا والآخرة، كما ورد في بحار الأنوار للعلامة المجلسي (ج 98، ص 6)، وهي كرامة لا يضاهيها شيء.
وخلاصة القول، إن الدولة المهدوية دولة بهية محمودة، بلغت من السمو والرفعة ما يجعل الإعداد لنصرة صاحبها واجبًا عقديًا وأخلاقيًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، واستجابةً للنداء المهدوي الخالد: «ونصرتي لكم معدّة»، تعجيلًا لفرجه الشريف وفرج دولته الإلهية الموعودة.








اضافةتعليق
التعليقات