كلمات الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) ترسم لنا مسار النجاة، حيث قال: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" (1)، وهي دعوة صريحة لإدراك الحجج الإلهية في كل عصر. ومن هذا المنطلق المعرفي، نجد أنفسنا محاطين بفيض من آلاء الله التي تغمرنا ليل نهار، إلا أن اعتياد وجودها قد يُفقدنا استشعار قيمتها وعظمتها، فتغدو النعم في أعيننا أموراً عادية رغم أنها مننٌ إلهية جليلة.
وتتجلى حقيقة هذا الامتنان في قصة رجل بلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً، حين أدركه الإعياء فنُقل إلى أحد المستشفيات، وهناك تطلب وضعه الصحي تزويده بجرعات من الأوكسجين لمدة أربع وعشرين ساعة. ومع تحسن حالته واسترداد عافيته، قدم له الطبيب فاتورة العلاج التي بلغت أربعمائة ألف دينار، وما إن وقع بصره عليها حتى انهمرت دموعه بغزارة.
حاول الطبيب مواساته ظناً منه أن كلفة العلاج هي ما أبكاه، إلا أن الرجل أجاب بكلمات تهز الوجدان، موضحاً أنه لا يبكي عجزاً عن سداد المال، فهو قادر على دفعه، وإنما يبكي تأثراً لأنه سيؤدي أربعمائة الأف دينار مقابل أوكسجين استنشقه ليوم واحد فقط، بينما ظل يتنفس هواء الله النقي طيلة ثمانية وسبعين عاماً دون مقابل أو فاتورة تُذكر، متسائلاً بخشوع: "هل تدرك كم أدين للخالق من شكر؟". أمام هذا الصدق، لم يملك الطبيب إلا أن يُطأطئ رأسه ويشاركه البكاء تأثراً بمدى التقصير البشري.
إننا نقضي أعواماً مديدة نتنفس هذا الأوكسجين دون أن نؤدي فاتورة الحمد والشكر لله بما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه؛ لذا يجدر بنا أن نتوقف قليلاً لنستدرك ضرورة المداومة على الامتنان، ومن الجميل أن ننشر هذا التذكير بين الناس، لعلنا نوقظ القلوب لتردد دوماً وبإخلاص: "الحمد لله والشكر لله".
ماهي نعم الله؟
لقد جاء في محكم التنزيل قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً)(2)، وفي تبيان هذه الآية يوقفنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على حقيقة كبرى حين قال: "نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة" (3). وهذا الامتداد للنعم الإلهية يفسره الإمام الكاظم (عليه السلام) عند قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة)(4)، حيث بيّن أن النعمة الظاهرة هي الإمام الظاهر، بينما النعمة الباطنة هي الإمام الغائب.
وفي جوهر التعامل مع هذه المنن، يتجلى معنى الشكر في مقابلة الإحسان بالإحسان، بينما يمثل الكفر مقابلة الإحسان بالإساءة. ومن أسمى النعم التي قد تغيب عن ذاكرة الكثيرين هي نعمة وجود الإمام الحجة (عجل الله فرجه)؛ فهذه النعمة إما أن تُشكر فيظهر أثرها جلياً ومباركاً في تفاصيل حياتنا، وإما أن تُكفر - بالغفلة عنها- فتترتب على ذلك آثار الحرمان والضياع.
إن من الآفات التي تحجب عنا حقائق الأشياء هي "عادة التكرار" التي قد تعمينا عن المعاني العميقة؛ فكثير من الكلمات المتداولة تتحول بمرور الوقت إلى عادات لسانية لا نعي كنهها. فعبارة "السلام عليكم" -على سبيل المثال- تحمل دلالة عقدية بدليل أننا لا نلقيها على غير المسلم، لكن كثرة ترددها أفقدتنا استشعار معناها، وكذلك الحال مع طلبنا المستمر "أسألكم الدعاء". وهناك من يسبح الله ليلاً ونهاراً، وفي أوقات عمله وفراغه، يلهج بكلمة "سبحان الله" وهو لا يدرك عظمة التنزيه في "سبحان" ولا جلالة الذات في "الله".
لقد وضع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) معياراً حاسماً للنجاة حين قال: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"، وهذا يضعنا أمام تساؤلات جوهرية تمس صلب عقيدتنا وسلوكنا:
هل يعقل أن يزور المرء الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يجهل إمام زمانه؟
وهل يمكن لمن يخدم في شعائر الحسين أو يقيم المجالس باسمه أن يكون غافلاً عن حجة الله في عصره؟
إن ارتباطنا بالإمام الحجة (عجل الله فرجه) لا ينبغي أن يقتصر على ذكره في ليلة الجمعة أو انتظار ظهوره في يومها، ثم تنتهي القصة عند هذا الحد إذا لم يتحقق الظهور؛ بل إن الحقيقة التي يجب أن تترسخ في الوجدان هي أن الصاحب الأصلي والراعي الحقيقي لكل هذه المواكب والمجالس هو صاحب الزمان نفسه.
وعلى سبيل المثال فحين يحل المرء ضيفاً في بيت أبيه وتُمد له الموائد، ألا يجدر به أن يتأمل في وثاقة علاقته بوالده وشكره؟
نحن اليوم نعرف أسماء الجميع ونغفل عن ذكره (الامام الحجة)، وإذا ما عصفت بنا الأزمات طرقنا كل الأبواب إلا بابه، ونتفقد أحوال القريب والبعيد يومياً إلا هو.
وعلى خلاف ما يعتقده البعض بأن إمامنا يحضر في اليوم الأخير من العزاء فقط، فإن الحقيقة هي أنه حاضر وموجود منذ اللحظات الأولى وفي اليوم الأول للمجلس. لذا حين ينتهي المجلس لا تخرج لتودع إمامك وتتركه خلفك، بل استصحبه معك إلى بيتك، وإلى ميدان عملك، وإلى تفاصيل حياتك كلها؛ فلا تطيب الحياة ولا تستقيم دون رعاية ذلك الأب الحنون والرؤوف الذي ينتظر منا التفاتة معرفة ووفاء.
في رحاب سامراء
يقف الزائر عند مرقد الإمام العسكري (عليه السلام) متسائلاً بلهفة عن مرقد الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، لِيأتيه الجواب بأنه لا مرقد لمن هو حيّ حاضر بيننا؛ فالمطلوب ليس البحث عن ضريح، بل كسر الحواجز النفسية التي تحول بيننا وبينه، ومناجاته بقلب حاضر.
وهنا يبرز السؤال: هل نأنس حقاً بالحديث معه؟ وهل نملك الأريحية في التكلم مع إمامنا كما نأنس بقضاء الساعات الطوال مع هواتفنا النقالة؟ ومع أصدقائنا؟
إن معرفة الإمام لا تعني حصر وجوده في فكرة أنه مغيّب في سرداب بسامراء لا يملك من الأمر شيئاً، بل المعرفة الحقيقية هي اليقين بأنه حجة الله الكبرى في أرضه، وأنه من تلك الأنوار العظيمة التي أمر الله الملائكة بالسجود لها، فهو امتداد لروح الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلم الإمام علي (عليه السلام).
وعلى خلاف حالنا عند الذهاب إلى طبيب حاذق، حيث نسهب في شرح آلامنا وتفاصيل أوجاعنا ليوصف لنا الداء، فإن الإمام الحجة (عجل الله فرجه) لا يحتاج منا إلى توضيح أو إسهاب في طلب الحوائج لأنه حجة الله المطّلع على الغيب، والعالم بما تخفيه الصدور، والمحيط بما يعتلج في القلوب من آمال وآلام قبل أن تنطق بها الشفاه.
تتجلى عظمة الإمامة في أن الإمام الحجة (عجل الله فرجه) هو المعصوم الوحيد الحاضر في عصرنا، فهو إمام الإنس والجن، وقطب رحى الوجود. ونحن كشيعة مؤمنين، يرتكز اعتقادنا على أن الإمام المهدي مستقر في منصبه الإلهي، يباشر مهامه وواجباته القيادية للأمة، فهو "الحي الحاضر الناظر".
ومعنى كونه "حياً" أنه لم يرحل عن الدنيا ولم يُستشهد، فليس له قبر يُقصد كبقية الأئمة؛ أما كونه "حاضراً"، فتعني أنه رغم غيابه عن الأبصار، إلا أنه موجود في كل مكان، يدير شؤون العالم بأسره. ومن الخطأ الفادح والجهل بمقامه الاعتقاد بأنه منزوٍ في فيافي الصحراء لا عمل له؛ بل هو غائب عن الأنظار لحكمة إلهية، يراه الناس ولا يعرفون حقيقته، وهو ما يجسده لوعتنا في دعاء الندبة: "عزيزٌ عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى".
ويضرب لنا التاريخ والقرآن مثالاً في إخوة يوسف، الذين كانوا عقلاء وأبناء أنبياء، دخلوا عليه وخاطبوه وتاجروه وهم إخوته، ومع ذلك لم يعرفوه حتى عرفهم بنفسه قائلاً: "أنا يوسف". وكذلك الإمام المهدي بيننا، يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الحقيقة بقوله: "اعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة الله، ولكن الله سيعمي خلقه عنها لإسرافهم" (5). وهذا ما واجهه علي بن مهزيار الأهوازي حين شد الرحال ليرى إمامه، فقيل له: "ما هو محجوب عن العالم، ولكن حجبه سوء أعمالكم".
أما كونه "ناظراً"، فتعني إحاطته بتفاصيل حياتنا. فبينما يصيبنا التوتر عند لقاء مسؤول أو وزير خشية نسيان طلب ما، أو حتى عند دخول الحرم الشريف خوفاً من نسيان حاجة أو وصية دعاء، نجد أن الوقوف بين يدي الإمام يتطلب طمأنينة مطلقة؛ فالإمام يعلم ما نريد وما يصلح لنا قبل أن ننطق. يكفي أن تُسلّم بوقار وتقول: "يا سيدي، أنت أعرف بمصالحي، فأعطني وفق ذلك".
إن الروايات تؤكد أن المهدي هو الذي بُشرت به الأمم منذ زمن إبراهيم والرسول الأكرم (صلى الله عليهما وآلهما)، لكنه في زماننا هو "المهدي الموجود" لا الموعود فحسب. وإذا كان الإنسان ينسى ألم قلع ضرسه بمرور الأيام، فإن ألم الغيبة لا يجب أن يطويه النسيان أو العادة، بل يبقى الجرح نازفاً كما عبر الشيخ الطوسي في مناجاته: "لقد طالت غيبتك يا سيدي".
المأساة الحقيقية:
إن مأساتنا الحقيقية تكمن في أننا لم نذق بعدُ طعم الحياة بوجود الإمام، تماماً كذاك الذي يقتني ورداً صناعياً ويُبدي إعجابه بشذى عطره الموهوم؛ إنه مسكين في نظر من شمَّ الورد الطبيعي وعرف عبيره الفواح. وهذا هو حالنا في البعد عن إمام زماننا، لم ندرك بعدُ جوهر الوجود، فالحياة الحقيقية هي القرب منه.
وفي آفاق التنزيل، يقول الله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) (6)، وعندما سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن تأويل "الماء"، بيّن أنه "الإمام"، فبالإمام تحيا القلوب وتستقيم الموجودات. ويحذرنا الصادق (عليه السلام) من خطورة المرحلة قائلاً: "والله ليغيبنَّ غيبةً لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبته الله على القول بإمامته، ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه" (7)، وأشد أنواع الهلكة هي تلك التي تضرب جذور العقيدة والروح.
ويمكننا تمثيل واقعنا بعائلة سُجن أبوها وتفرقت في سبل العيش الشاقة، فجاءهم من يسألهم عن حاجتهم؛ فطلب أحدهم زيادة في الأجر، وطلب الآخر تخفيفاً في العمل، ولم يدرك هؤلاء الأشقياء أن كل معاناتهم وضغوطهم ستنتهي بطلب واحد: "فكاك أبيهم من سجنه". نحن كذلك، نغرق في مشاكلنا وننسى أن أصل البلاء هو غياب الأب الرؤوف الإمام الحجة، وأن الفرج الحقيقي يكمن في حضوره.
لقد استشعر زرارة بن أعين ثقل زمان الغيبة وكثرة شبهاته، فسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عما يفعل إن أدرك ذلك الزمان، فأرشده إلى "دعاء المعرفة" العظيم: "اللهم عرفني نفسك.... فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني". وهذا الضلال هو ما حذر منه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أقسم بأن القائم سيعيش غيبة طويلة حتى يشك الناس في أصل وجوده، وحينها لا ينجو إلا المتمسك بدينه الذي لا يجعل للشيطان سبيلاً إلى قلبه بالشك.
ويصف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولئك القابضين على جمر الولاء في زمن الغيبة بأنهم "أعز من الكبريت الأحمر"؛ فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتحدث فيه عن غيبة الإمام المهدي، وفيه يقول: "... والَّذي بَعَثَني بِالحَقِّ بَشيراً، إنَّ الثّابِتينَ عَلَى القَولِ بِهِ في زَمانِ غَيبَتِهِ لَأَعزُّ مِنَ الكِبريتِ الأَحمَرِ." (8)
والكبريت الأحمر رمزٌ يُضرب لندرة الوجود واستحالة العثور عليه لعظيم قيمته. فالمؤمن الثابت على نهج الإمام في هذا الزمان ليس مجرد إنسان عادي، بل هو جوهرة نادرة وعزيزة في عالم ملأته الغفلة.


اضافةتعليق
التعليقات