يوصف العقل بأنه ليس عضوًا ماديًا بل هو وظيفة وقدرة يمتلكها الدماغ للتفكير والتحليل واتخاذ القرار، هو ما يتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات، وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم نفسه، فهو لما يتكلم عن القلب مثلاً يقول: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ} أي هو عضو له وجود مادي، بينما لما يأتي على ذكر العقل يُعبر عنه (تعقلوا- عقلوا - يعقلوا).
وهذا يوصلنا إلى أثر العقل على الإنسان على مستوى تحديد مصيره الأخروي، وطبيعة حياته الدنيوية، إذ نجد في وصية طويلة الذيل لإمامنا الكاظم (عليه السلام) أوصى بها هشام حول العقل، نأخذ منها قوله: "يا هشام! من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكرهُ بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه؛ فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومَن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه" (١).
ماذا يعني هدم العقل؟
الهدم هو نقيض البناء، فعادة يكون لشيء تم بناءه، وهذا يوصلنا إلى إن هناك بناء سيُبنى بعد هذا الهدم، فالعقل يَبني الهُدى، ذلك النور الذي يمشي به العاقل بين الناس، فإن هُدم؛ بُني بديل عنه الهوى واتباع الشهوات، وعندئذ سيَحُل الظلام في نفس هذا الإنسان، لذا هذه الأمور الثلاثة قد تطرأ على كل عاقل إن هو سلطها -كما عبر الإمام- فتهدم له بناءه الفكري السليم، وفي ذلك تحذير وتوقية.
الأمور الثلاثة الهادمة للعقل
الأول: طول الأمل
الأمل بحد ذاته ممدوح ومطلوب، فهو يقع في قبال اليأس المنهي عنه، ولكن المذموم منه هو الافراط بالأمل الذي عبر عنه الإمام (عليه السلام) "بطول الأمل"، فهو كما عبر أمير الكلام (عليه السلام) أنه "يُسهي العقل، وينسي الذكر، فكذبوا الأمل فإنه غرور، وصاحبه مغرور" (٢)، على سبيل المثال عندما يذنب الإنسان ويكون ذو أمل طويل يعني يبقى في حالة من تمني المغفرة الإلهية، والترجي الخالي من أي عمل أو قرار يتبعه سلوك، فهو يعيش الأمل برحمة الله تعالى الواسعة، هذا ما يُسهي العقل، أي يجعله لا يفكر بجدية كيف يتوب ويترك هذا الذنب، ويقرر بشكل حازم ألا يعود لإرتكابه، بل يجعله عاصيًا متمردًا، هنا هو ممن اتبع هواه، ولم يسترشد إلى ما فيه هداه.
فالإنسان الذي يُعْمِل عقله هو من أهل التفكر في هذه الآيات: {يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(٦)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(٧)فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ(٨)كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ(٩)وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ(١٠)كِراماً كاتِبِينَ(١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ(١٢)}؛ فمن يتبع هواه، ولديه أمل بأن يطول وجوده في عالم الدنيا، يصل إلى مرحلة الكفر بأن هناك حساب وجزاء، فيغتر بكرم ربه، ويخسر آخرته.
الأمر الثاني: فضول الكلام
الإنسان الذي لديه طول الأمل في البقاء في هذه الحياة الدنيا، ولا يرجو الحساب وإن رحل عنها، هذا ممن يقع في الهادم الثاني لعقله، وهو الإنشغال بالقيل والقال، تراه لاهيًا لاعبًا، يمد عينه ناظرًا لما في أيدي الناس، ناسيًا نفسه، ملبيًا لهواه، تابعًا لنفسه الأمارة بالسوء؛ فيحجب عين القلب عن أبصار ما تراه وتسمعه مما فيه احياء له، فيكون ممن ليس لهم قلوب يعقلون بها، فالقلب نافذة دخول كل حكمة ومستقرها متى ما كان خاليًا من التعلق والتشتت بأمور الدنيا.
الأمر الثالث: العبرة
هنا القلب إن عَمَر بالحكمة، وحُصِنَ بالبصيرة لن يقسو ولن تجمد عين صاحبه عن البكاء خشيةً وخضوعًا واستكانة، فالشمعة التي عليها كوادر إن أردنا إيقادها كي نستنير بها لن ننجح بذلك، وسنبقى في ظلمة، كذلك القلب إن لم يصفو من التوجه للدنيا والإنشغال بما فيها من زينة وملذات، سوف يقسو ولن يرق ولن يكن صاحبه عبدًا أوابًا بكاءًا.
عندئذ نفهم إن من يريد أن يبني هواه ويهدم هداه (عقله) فليكن طويل الأمل، لاهيًا مع أهل الدنيا، ذو قلبًا مظلمًا قاسيًا، ومن أراد بناء عقله، فليكن متفكرًا، وعن الحكمة متصيدًا، ولربه خاشعًا متضرعًا خاضعًا.








اضافةتعليق
التعليقات