سفرة شهر رمضان، ذاكرة تراث من أصل الشريعة، يؤكد عليها الدين بوجوب الاجتماع، وأصالة قابعة بهيئة رسوم تتأقلم مع بساط لقمة الحلال..
سفرة شهر رمضان لا تُقاس بغيرها من الأشهر، كل شيء فيها مكرّم ومبارك؛ الذوق، المذاق، النوعية، الرغبة، الاهتمام، والتناسب والتناسق.. كل طبق من أطباقه يحمل همة لتقديم الأفضل، وإن كلّف جهدًا…
لأنه استثناء، كذلك أي خدمة لها صبغة خاصة أيضًا، حتى لو كانت سفرة من خبز وماء.
كنا ننتظر وداعة الطريق ليبهجنا بما عنده، ننتظر ذلك الإكليل المعطر بالسلامة، أفراد العائلة يتبعون جدولًا؛ القرآن، الدعاء، وسفرة الصيام والاجتماع بالأحباب..
كل يوم وأزيز المذياع ينشدنا أحلى التراتيل التي تلمّ شتات الروح، وتلهم النفس بالقرار.
السفرة محفل الخيرات، وهي انطلاق كل الفواضل، هذا ما تعودنا وتربّت ذواتنا عليه..
تطرق بابي الذكريات بين فين وفين، يسبقني عند أعتاب السفرة، لقناعتي أنها زاد العافية وحروف المحبة والسلام، وأنها اليد الكريمة التي تطعم بسخاء الذمام..
أعترف أنها أجمل سفرة في الحياة، وأنها متميزة مستترة بضياء الرحمن، لأنها سفرة الضيافة الربانية، طعمها مختلف تمامًا، سفرة جمعت المعاني، وباتت كل حلقاتها قصة أخلاقية وسفرة مكارم.
هذه السفرة لها فضل الضيافة من الله، تشاركها الملائكة بكل أوان.
في ساعة متأخرة من ليل، كنت أتبادل التهاني من تلفوني بمناسبة حلول الشهر المبارك، انشدّدت فجأة إلى صوت قارئ ذكرني بحقبة ما، لم أكن أتخيل وقتها كم أرقامًا من الفوضى عمّت مخيلتي، وكأنها أوتار أيقظت فيّ مشاهد نائمة، حملت معها نسيم الاشتياق لأيام مضت، ومضى معها تراث عائلة.
كلمات دارت بمخيلتي، وقد أطرق قلبي واستعد نبضي لاحتواء ما هممت.. وقت أن سمعت آيات بينات من القرآن الكريم بصوت الطور العراقي القديم، الذي اعتاد أبي سماعه.. شعرت أن العالم قد انطوى لي، ومفتاح الماضي بيدي قد فتح لي باب الذكريات، على مقربة مني أجد (راديو) يردد آيات من القرآن، صوتًا رخيمًا كنت أذعن إليه أيام شهر رمضان… كان أبي يحب صوت القارئ، يقول إن قراءته تراث ثابت كالبحر الهادئ..
نعم، تذكرت جيدًا كم كان عددنا واجتماعنا، وكيف فرقنا زمن الظلام، كيف كانت البسمة شافية ونقية، وكيف تبدو اللقمة طاهرة، نبتلع البركة بدون حساب ولا من ضريع ولا سؤال، والأفواه مبتهلة شاكرة تدمدم عند سماع صوت المدفع وقت أذان المغرب..
آه يا لها من ذاكرة تستعرض الراحل كرحلة موجعة ليس لها قرار، همسات دارت رحاها في نفسي، والذاكرة مطرقة لحديث خافت لا يسمعه أحد إلا قلبي الدامع الباكي ليطفئ حرارة الحسرة على فقدان الأحبة…
قلت في نفسي: كم اشتقت إلى سفرة أمي، وهي تعجن ثمار النعمة مع دمعها الغارق في حب العائلة والأولاد..
يا ليتها كانت الخالدة، تلك السفرة التي جمعت اللذة مع متنوع ما كان من الأهل والخلان، والآن ليس لهم مكان..
أتذكر وقتها.. كل واحد منا يتناوب بإعداد ما خُوِّل له، وصدى صوت أمي يملأ البيت بالأسماء.. نشاط مفرط وحركة دائبة، والبقية منهم نائم يسبّح، وآخر عطشان، وأختي تنتظر الأذان، وأخي يقرأ الختم، وآخر قد أخذه التفكير في أمر مبهم وهو متكئ على عضادة الباب، وأجدادي غارقين في نوم بلا حسبان…
كنت أتساءل: عجبًا من هذا الشهر، لماذا مختلف؟!
لم أكن أعرف، وبطبيعة صغري ونسبة إدراكي، أن كل من في البيت يعيش حلمًا هم فيه يقظين..
ومرة ثانية…
وصوت أمي أيقظني من مجرة أفكاري…
هدى، أين أنت؟ تعالي وأكملي قلي (الكبة)..
كان صوتها يتردد على أذني كهدير شجر يتلوى شوقًا.. أتذكره، نعم أتذكره.. كان ناعمًا حنونًا..
ومرة أخرى أسمعها تنادي أختي…
(...) كم مرة قلت لكِ لا تصرخي، ونحن في شهر الخير، كوني وقورة، هادئة، اذهبي وافرشي سفرة الإفطار..
لم تكن أمي تفرق بيننا، تعاملنا بالصبر والحنان، إلا أن أختي كانت حساسة جدًا ولا زالت..
على كل حال، البقية كل واحد منهك بعمله، ولا أنسى أمي وانتقادها اللاذع، وعينها الغارقة لطلب السماح..
آه يا أمي، كيف احتوت يداك هذا الحنان كالعهن المنفوش، وزرعه في بقعة هذا الوجود، ذاك التماسك الذي خلق كل واحد منا وبيده طبق خلاصه؟
أنت عالم لا يتجزأ من حضارة الجمال، بل أنت فقرة الذوبان والهيام الذي عاش من أجل البيت وسفرة البيت… هل نبلغ أخلاقك وسدادك وطعم كرمك الدافئ؟! هل نكون كما أنت؟!
وكأن شخصًا أفاق عقلي من صمته، إنها أمي نعم، صدى صوتها يدق حاجب أذني.. ماذا بك يا ابنتي؟ ما الذي ربط على أذنك؟ ألا تسمعين استغاثتي؟!
أفقت، ولكني أجدني في عالم ليس فيه أمي ولا أبي ولا إخوتي ولا أجدادي.. قلت في نفسي…
سبحان الله! كل شيء اختفى إلا سفرة رمضان لم تختفِ، لا زالت على قيد الحياة، تتراءى في حضورها كالملائكة.. كأنثى لونها الحياء، كطلع الحمد، كيد علي عليه السلام يوم الخندق وفي خيبر والنهروان، كطاحونة الزهراء، كملكة مزدهرة، شابة متجددة، عامرة خالدة لا تموت أبدًا.
في الوهلة الأولى من إفاقتي، أدرت رأسي وكأني أبحث عن أمي، عن ابتسامتها، تمنيت للحظة أن أراها على سفرتي التي أعددتها للصائمين من أسرتي، وأقول لها: هذا زادك، وتلك يدك وأنفاسك وأخبار سفرتك، تركت أصابعك رهن إشارة الزمن إن أنا احتجت لك…
تناولت اللقمة الأولى، صرخت حنجرتي ممانعة لا تستأنس الطعام، أنظر إلى سفرتي، وإذا بأصوات تتناوب بذهني تناديني: أصوات إخوتي الشهداء، هدى اسقني الماء…
وصوت نور عيني أبي وهو على شفا جرف الانتهاء يسقي نفسه شكرًا لله، صوت جدي وجدتي وكأنهم بجانبي…
وكأنها طبل ممزق من أصوات مشتتة، أصوات ملاعق وصحون، وفرقعة الثلج في الماء، بعضهم يقول: أعطني خبزًا، والآخر يطلب المزيد من (الكبة)، وآخر لا يحب الحساء، وجدي الذي لا يجيد مضغ الخبز لأنه بلا أسنان يصرخ: أين الماء؟
وأبي بصوته الجهوري يطلب من الجميع السكوت بامتنان..
وأمي لا زالت تنظر إلى سفرتها بدقة، وقالت: أعتقد كان ينقصها اللبن الرائب…
انتفضت نفسي، واكتظت ذاكرتي بمواقف الأحبة…
وضعت يدي على أذني… لا أريد أن أسمع، لا أريد أن أصغي، لا أريد المزيد، لا أريد أن أتذكر…
لحظات مؤلمة قلبت خافقي، دقائق وإذا بدمعي ينساب على وجهي كمطر متحير، وفي رأسي أشبه غيمة سوداء عالقة لا تتبدد..
احتضنت دمعتي بحجري، والتحفت زفير قلبي، وأخذني السكوت لبرهة…
في هذه الأثناء انتبهت إلى صوت الدعاء من التلفزيون (دعاء البهاء)، وقلت في نفسي: يا الله، يا أرحم الراحمين وربي، كيف لي النجاة من صاعقة اختناقي وحبي لسفرة أهلي وذكرياتي؟
اقتادني الذهول لفترة، وأخذت نفس المهموم الذي لا ينام ليله، بل يفكر في دوامة أيامه المقبلة..
على كل حال…
نظرت إلى سفرتي وبقايا الطعام المتناثرة، وعبق الفضل الإلهي الذي وفقني لسفرة شهر البركة وأداء رسالتي…
نهضت وفي جيبي أسئلة تبحث عن إجابة إلى رفع كاهل تلك الغموم التي أودعها في قلبي، إنه الصندوق الذي يرمم حاضنة التاريخ، بمواقف الأحبة، بأصوات الراحلين الطيبين، بهمهمات أهل التربة القديمة وتعففهم وعفافهم، بالأصدقاء، بالإخوة الذين كان صوتهم حقًا لنا وعلينا، بالخبزة ذات النكهة، بأصالة التلاوة وترتيل الآيات، بتبتل الواقفين ليلًا تضرعًا لله وخشية منه، بسفرة الحلال من زاد البركة والعافية..
وأنا في خضم ذلك الذوبان، حاولت جاهدة أن أصلي وأن أخلد ساعة لقراءة كتاب.. أفزعني صوت طبل السحور (يا صايم عجّل واشرب الماء)، أيقظني من همومي وبدد أوهامي، أن قومي وأكملي مسير الذكر… إنه سفر الحياة الذي لا بد منه.








اضافةتعليق
التعليقات