لا ترحل يا شعبان.. لأنك شهر تقدّست فيك الولاية، شهر تنامي الفريضة بأبعادها، وتسابقَت فيه منافذ الأجر والثواب كالطلع النضيد، شهر غرس في قلب أحبائه تجاوز الخطيئة وحب الصلاة، شهر الإنقاذ من حطيم جهنم، شهر كنا في ضيافة حضرة الرسول الأعظم…
شهر التقوى المعتّق بالعهد، وكرامة الخير وسنام العطاء.. إنه الشهر الذي تعظّم بأيام الله.. وقال: اذكروا أيام الله.
نامت فيه العيون على حرير التسامح وانفلاق الصحوة..
شهر لا وداع له أبداً.. لأن العفو سجيته، والأمان راحلته.
شهر تمجّد بولادة الأولياء ليظل ثابتاً في الذاكرة.
شهر شعبان المبارك، أنجلت الأنوار فيه وولدت المعجزة، وتغاضى الفتور وانتفض، وانكمشت النفس من معصية الحياة، فيه ازدهر المدى، وفاضت كلماته سحراً ووميضاً نادراً لأهل الكلمة والموعظة الحسنة، تجلّت أسحاره صلوات.
كالدرّ المنثور على ساحل المليك، اعتنقت فيه كوادر السجود سجادة الذكر لتحوز الجنان ورضا الرحمن.
علّمنا أن الأسرة ضمان، والصديق عون الزمان، وأن الغدر لباس الذل والهوان، وأن منصة الذكر شاهدة خالدة، علّمنا أن الصبر عبادة، والتغاضي ريادة، وأن البر أجر مستديم، وكشف لنا مخابئ الأسرار، والقلم سلاح كاللسان، والكلمة عطاء وكنز ثمين..
وأنه لولا ولادة العهد وبيعة صاحب الزمان يا شعبان، ما كان لك بصمة مختلفة، ولا إشراق ولا عنوان.. لأنها الرحمة التي (إنا أنزلناه) ودامت معانيها بقلب الإنسان..
أيامك انقضت ولكن لا تنقرض ساعات عطائك، تظل هي المحفّز الأمثل لفعل الطيبات، لأن الخير عباءة الستر التي تظلّل أكتاف الحيارى من فقر النقيض ومرض لا يُشفى..
تعلّمنا منك يا شعبان أن الخير لا يندثر بل يعظم وينمو، وأن العابد فيه أقرب إلى ذي العرش سبيلاً، وأن أنفاس الصائم فيه فرجٌ لهموم نفسه وإغاثة لغمومه المتراكمة، وأن تقويم الذات يحتاج إلى رؤية واضحة لفرز قلق الكلمة عن صحتها حتى تنجلي الحقيقة، وتنعتق النفس من ذبذبة الشكوك..
فيك يا شعبان اجتمعت الصفات، واعتلت دفّة المنابر وصدرتها لخدمة الاستقامة، وتزامنت أطياف الفتح لتقبّل أعتاب القيم وتلبس من مبادئها أحسن الثياب وأنظفها وأطهرها..
كنت لنا مناراً لأبناء الرسالة وفرحة الولاية وتجلي الفوز الإلهي فيه… في كل سنة تطوف علينا أرزاقه المتمثلة بأوليائه البررة، منحة وهبة لمن ألزم نفسه طاعتهم..
فيك يا شعبان لا تعترف الرحمة بالفوارق ولا تألف النسبية في العطاء، بل تغدق ما عندها بغير حساب، لتمتلئ بطون التراث والعقيدة من خيراته الجسام، وترتوي كوثرًا عميقًا من المعارف..
انتفضت الحكمة فيك يا شعبان لتعلّم أجيال الصوم معنى المواساة، وتتوج همتها عفافاً يليق بها، ولكي تعرف النفس أن الضعيف هو من نامت أحاسيسه في جوف اللاشعور وترك البطون في قمة الوجع والتجاهل والنسيان، حتى تتحرر الجوى من قيد العجز المتكئ على عكازة الأمنيات والتوقعات، وتفهم الهدفية من الحياة، وإن هي إلا عبر واعتبار يعزّز الروح بالقوة والإدراك لتفادي الانزلاق في هوة الضغوطات المتكررة.
كيف لنا نسيان هذه الأيام المباركة؟ كنت لنا نوراً تغشى أبصارنا بالبصيرة والبرهان، وللعلم آذان وإذهان، لقد علّمتنا أن للمسجد حظوظاً وحدوداً، وللكتاب قيمة ومهراً غالياً، وأن التصدّق فيه انعكاس صحة وسلامة وتجاوز أخطار وعثرات.. ولقد حببت إلينا الحضور في مساحات المحافل، ونوّرت آثارنا بعطر الزعفران، فكان الكفن حجاب الصالحين، والموت لنا حياة.
وأن مسيرك وإن كان محدوداً، لكنه ترك أثراً روحياً لا يقاوم، امتزجت أجواؤه بالمعنى وتعددت مظاهره بالقيم الثاقبة، وامتحنت النفوس بعقائدها، وتخطّت شجرة طوبى وتعلقت واكتملت حباً والتزاماً، فكل خطوة فيك يُعدّ لها حساباً واحتساباً، لأن باب أفضال الله سبحانه لا يُقفل بل اتسع حتى شمل كل من رفع كفه لربه تذللاً، وانفرجت أسارير نفسه طلباً وإغاثة، وأزاحت دمعته غبار الذنوب وكرة العيوب طمعاً في رحمته..
لم يبقَ من أطلال أفقك أيها الشهر المعظّم إلا مسافات أيام لنستقبل البعد الأمدي لشهر رمضان المبارك، انتقالة مشبعة بالتحفيز والهمة العالية، ونحن على أتم استعداد لاستلام الخطوات بثوب جديد يستوعب الأعمال والصلوات والآيات، وأحداقٍ في غاية التمني لرضا السبحان.. اللهم لا تجعله آخر العهد منا، ووفقنا لإتمامه حتى تقر أعيننا بمرضاتك… ونستقبل شهر رمضان.








اضافةتعليق
التعليقات