يُكرم المرء أو يُهان وفق ما يعتبره وزنًا ويعتقد به تراثًا وفكرةً؛ فالكوثر شلال أزلي لا ينفد، وباب الحكمة لا يُغلق بوجه من أراد المعرفة، وجمع لأيامه المعدودة كنزًا من الصالحات…
عن أمير المؤمنين سلام الله عليه وآله يقول:
(المرء ابن ساعته)…
كن كما أنت في وقتك بزينة علمك وميزان أفعالك المنضبطة، واترك الذي مضى وقد فارقته على دكّة المثالب، ولا تعتد في كل أقوالك، فهي ملك أنفاسك التي قد ملّكتها مواقفك وسعادتك؛ صدق أمير المؤمنين، وقد قضت حكمته بين قاب قوسين الحياة ورؤى المدى، فأي إنسان هو ابن الساعة التي يراهن عليها وجوده ضمن الساعة التي حاصرته وتبنّت كينونته…
فأين إعرابك أيها الإنسان من جملة الدقائق التي مُنحت لك لطفًا ووقتًا وإشارات؟! وما هو عطاؤك الذي ينبغي أن يحفظ ماء وجهك عند مولاك علي وإدراج التراب؟!
هل تدرك أن التراب قد حاصرك وقيّدك، فالزمان برقع قد غشاك، ولا يمكنك الانقلاب على ظرفك، ومعجم ذكرياتك قد وليتها صحيفة أعمالك، فكيف لك القهقرى إلى يومك الماضي وهو في جعبة الأحداق الغافية؟
هذا أمر لا يتم…
فكن إذن ابن الساعة التي أنت عليها، واستوِ على أسلوب الرجاء لتمتطي همتك المميزات، وتحترس الوافدات التي ربما تغريك وتلسعك؛ لأن الإنسان وليد الساعة، فليقدّم ما يقتدر، ويتعلّم من ساعته رؤى وبصائر…
وعنه عليه السلام:
(إنه لن يستقبل أحدكم يومًا من عمره إلا بفراق آخر من أجله).
ما فارقناه بقي في سجل الودائع الظرفية، فكل استقبال يعقبه فراق طويل، وهذا الفراق قرّبنا إلى الموت وأضاف إلى حياتنا نكهة مختلفة…
كن سعيدًا ومبتهجًا إذا فاجأتك البراري بخيرها، فالخطوة لا تترك أختها في فيافي الحيرة، ولا تستقبل شبيه الصدمات؛ لأن الامتنان عنوان العافية في كل حرف استغنى من الإضافة، والشكر بوابة الأرزاق.
لكل يوم، وكل فترة، وكل التفاتة قد لامست فرحًا وعيدًا، يُستثمر للنفوس هدوءًا ومساحة استرخاء؛ فجميع القلوب تستجلب الرخاء وتسعى لفهم المعطيات عند منصة التحويل لتذوب المهج غدقًا، وتمتلئ الصدور أمنية جديدة… ولكن العيد ربيع لمن لا يعصي الله سبحانه، واقترب إليه، وأطاع أولياءه، وكان ضياءً للصالحين، ومفتاح جنة النعيم.
عنه عليه السلام:
(إنما أنت عدد أيام، فكل يوم يمضي عليك يمضي ببعضك، فاخفض في الطلب وأجمل في المكتسب).
الأيام مثال متكرر يبرمج الخطوات إلى حلول ربما، أو إلى قضايا متعددة، ولكنها تراقب السعي، وتحدد المبتغى، وتقيّد الأيام؛ فالذي يمضي منه يأخذ منا على قدر ما قدّمنا لأنفسنا، ويستقطع من المواقف ذاكرة تحفظ في صندوق المواثيق… وعمر الإنسان في عدٍّ تنازلي، كلما قلت أيامه زادت فاتورة سعيه، وزاد طلبه قلقًا على الآت…
فهل أنت طموح؟! كن كما قال مولاك، واختصر المواجهات والتضخيم، وأجمع الحسنات، وإن جاهدت؛ فالأيام عددًا ليست على مرامك بل على قياس إرادتك، وليكن بعلم الأعياد أنه محسوب أيضًا من عمر اللحظات؛ فإذا اقتطف الليل منا نورًا فلا يعود ليضيء لنا، فالعرض ينفد، والطلب يبقى معلقًا على أمل التحقيق…
إن الإمام أعطى إعرابًا يليق بالإنسان ووجوده في ساحة الحياة، واختصره بجملة الحكمة، وجمّله عنوانًا يحدد مراميه، وجعل من مكتسباته فتحًا لآخرته.
عنه عليه السلام:
(ما أنقصت ساعة من دهرك إلا بقطعة من عمرك).
القلوب كتاب تحفظ الأسرار وتغلق على الأضرار؛ إن تجنّب كل مؤمن ضياع هذه الأوقات، لأن الفرح ربما ينمّي فينا خلية ويطريها شفاء، أو أن يصيبها عطب الغافلات، ويصبح المؤمن طريح فراش الهموم والغموم وفتور الكلمة؛ فكل جهد بذلناه ضمن الساعات المنقضية من حياتنا فليكن في طلب الخير وفعل الطيبات، وتجاوز الخطيئات، ولمّ شتات النفس من الضياع وسط زحام الذنوب والبهارج التي تقتل الهمة في الذات، وكأنه فقد قطعة الهمم…
أليست الهمم قممًا؟! أليست المسافات قطعًا متصلة؟!
فصناعة الفخار تحتاج إلى فكرة، والطموحات خطط تستدرج الأفعال، وإلا فهي ساعة من الأقدار علينا أن نعرف شيفرتها بدقة حتى لا تضيع الفرص؛ لأن الفرصة مقيّدة بالفعل، واستغلالها في الخير منوط بالقدرة، ولكي نضمن ما قد فات علينا أن نستهلك من أيامنا أعدادًا وساعات… فلا أخذ دون عطاء.








اضافةتعليق
التعليقات