ماذا قدمت لدين الله؟ هل سألت نفسك يوما هذا السؤال؟ الكثير منكم سيكون قطعا لا لمَ؟ لأنهم فاقدي الشعور بالمسؤولية إذ يعتبرون أنفهسم من العامة الذين لا عـتب من الدين عليهم بالرغم من أن هذا السؤال يجب ألا نمل طرحه، وألا نسأم تكراره؛ لنحيي في القلوب قضية العمل لهذا الدين، هذا الدين الذي تعب من أجله آدم وناح لأجله نوح ورُمى في النار الخليل وأُضجع للذبح إسماعيل وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ونُشر بالمنشار زكريا وذُبح السيد الحصور يحيى وقاسى الضُّر أيوب وزاد على المقدار بكاء داود وسار مع الوحش عيسي وعالج الفقر وأنواع الأذى (محمد صلى الله عليه وآله وسلم ).
يقول تعالى: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ))
وقال تعالى: (انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ).
إن هذا الدين لم يصل إلينا ترفاً، ولم يُعبّد لنا طريقه بالورد بل هو أمانةٌ عُمدت بالدماء وصيغت بالدموع، وحُفظت بآهات الصالحين فإذا كان الأنبياء قد قدموا "الكلّ" في سبيل "الواحد"، فماذا قدمنا نحن ونحن نتقلب في نعم الله؟
لقد نادى الحسين (عليه السلام) في طف كربلاء نداءً عابراً للزمان: "هل من ناصر ينصرنا؟"؛ ولم يكن نداءً لشخصه بل كان استنصاراً للحق الذي يحمله واستنهاضاً لكل ضمير سيأتي من بعده ليحمل الراية، لذا نحن اليوم لسنا مجرد أرقام في زحام البشر بل نحن "خلفاء" بمقتضى النص القرآني: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" والخلافة ليست رتبة شرفية بل هي مسؤوليةٌ تقتضي حماية الثغور؛ ثغور الفكر، وثغور العقيدة فلابد أن ندرك أننا "جنود" في جبهة ممتدة من آدم إلى الخاتم ولا نرتضي بأن نكون "هامشاً" في كتاب التاريخ بل سطراً في لوح الخدمة الإلهية.
يقول الإمام علي (عليه السلام) مُرسياً قاعدة المسؤولية تجاه الدين: "فَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ" لم يترك باباً للقعود؛ فإن عجزت النفس عن البذل فلا يعجز اللسان عن نصرة الحق ولا الفكر عن صدّ الشبهات.
إنّ المذهب ليس مجرد انتماءٍ بالهوية بل هو "منهج حياة" يقوم على استشعار وجع الأمة والعمل على رفعتها، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ" وهذا هو جوهر المسؤولية أن يكون صِدقك، وأمانتك، وإتقانك لعملك، ودفاعك عن المظلوم، هي "المنشور" الذي يقرأ فيه الناس عظمة دينك.
فيامن ورثتم الأنبياء، إنّ الأمة التي بُنيت على تضحيات يحيى وصبر أيوب ويقين محمد (صلى الله عليه وآله) لا يليق بأبنائها الاسترخاء في "ظلال العجز" تذكر دائماً قوله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ".
إنّ السؤال ليس "هل سينتصر الدين؟"، فالله قد ضمن نصر دينه ولكن السؤال الحقيقي هو: "هل سيُكتب اسمك في ديوان الناصرين؟"هذا السؤال يجب أن لاتمر لحظة عن إلا وذَكرت نفسك فيه فاجعل من حياتك لبنةً في صرح هذا الدين، ومن موهبتك سيفاً يذود عنه ومن مالك مدداً له فما نحن إلا عابرون ولن يبقى منا إلا ما قدمناه لوجه الله.








اضافةتعليق
التعليقات