في دهاليز الظلمة حيث لا ينفذ شعاع وفي قبوٍ يضج بأنفاسِ الكيد، اتكأ الشيطان الأكبر على عرشٍ من رماد وقد ارتسمت على وجهه ملامح الضيق والقلق. كان الجمع من حوله حاشداً شياطين من كل حدبٍ وصوب ينظرون برعبٍ إلى التقويم الروحي الذي يقترب؛ فالفضاء بدأ يتنفس طهراً والسكينة أخذت تزاحم ضجيجهم.
نطق كبيرهم بصوتٍ أجش، كأنه احتكاك الصخر بالحديد:
أيها الجمع، لقد أزفت الآزفة أقبل شهر رمضان الشهر الذي تُغلُّ فيه أيدينا وتوصدُ فيه دوننا أبواب السماء. إنه الموسم الذي تتنزل فيه الرحمات كالغيث وتُفتح فيه أبواب الجنان وبأبسط العبادات – سجدةٍ بصدق أو دمعةٍ من خشية – يرتقي هذا الطينُ البشري إلى منازل لا نبلغها نحن أبداً. إننا أمام خطر فقدانِ صيدنا الذي تعبنا عليه طوال العام فكيف نتركهم يغسلون خطاياهم في ثلاثين يوماً؟ لابد من خطةٍ محكمة تجعل هذا الشهر يمرُّ عليهم هباءً بلا حصادٍ لآخرة ولا نفعٍ لدنيا.. أريد حيلةً تجعل صيامهم جوعاً وقيامهم سهراً!
ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن يتقدم أحدُهم بخطىً واثقة تلمع في عينيه شرارةُ المكر وقال بصوتٍ يملؤه الزهو:
مولاي لقد أعددتُ للأمر عمول وجهزتُ جيشاً لا يُرى بالعين المجردة بل يُرى عبر الشاشات! لقد رتبتُ وضعي من جهة النظر فهو الباب الأوسع لإفساد القلب.
اعتدل الشيطان الأكبر في جلسته مهتماً فتابع الخبيث:
لقد أغويتُ كتّاب السيناريو، ومخرجي الأوهام ومدراء القنوات الفضائية ليجعلوا من ليالي رمضان مضماراً للتيه لا للعبادة. حشدنا لهم مسلسلاتٍ تضج بالفتن وتزدان بلقطاتٍ تخدش الحياء وتلبسُ العُري ثوب العصرية. ولم نقف عند هذا الحد، بل جعلنا البطل سارقاً، كاذباً، أو مارقاً، لكننا منحناه وجهاً جميلاً، وملامح بريئة وجعلناه فقيراً مسحوقاً.. لماذا؟ لكي يتعاطف معه المشاهد فيتقبل القبيح لجمال صاحبه ويستحلَّ المعصية لفقر فاعلها. لقد زرعنا في عقولهم رسائل مبطنة: أن الكذب ذكاء وأن السرقة حقٌّ للمحروم، وبهذا نسرق منهم روح الصيام وهم يظنون أنهم يتسلوّن!
تعالت ضحكاتٌ مكتومة في القاعة فالخطة لم تعد تقتصر على وسوسة عابرة بل صارت صناعة متكاملة الأركان. لقد أدرك هؤلاء أن شياطين الإنس هم الذراع الأطول لهم في هذا الشهر؛ فهم لا يُسلسلون ولا يُحبسون، بل يكملون المهمة بالنيابة عن "إبليس" الذي يقبع خلف قضبان الغيب.
لم يعد الهدف منع الإنسان عن الطعام والشراب بل إغراقه في فيضانٍ من الصور والمشاهد والضجيج ليبقى جسده صائما بينما يرتع عقله وقلبه في أودية الغفلة التي رسمها مخرجون باعوا الرسالة بالمشاهدة.
لم يكد الشيطان الأول يُنهي مقالته عن سحر الشاشات حتى تعالت ضحكة خبيثة من زاوية أخرى، حيث وقف شيطانٌ متخصصٌ في فقه التبرير، وقال والزهو يملأ صوته:
أما أنا، فقد نفذتُ إلى قلوب القوارير من باب الزينة المباحة! أقنعتهنَّ بأن ’المخاوير‘ والفساتين العريضة هي قمة الستر والعفاف وأوهمتهنَّ أن الاتساع يغفر التبرج. ثم همستُ في آذانهنَّ: ’إن الله جميل يحب الجمال‘، فما ضيرُ لمسةٍ من ’الكلوز‘ أو حمرةٍ بسيطة تبرز الملامح ولا تخدش الحياء؟ جعلتهنَّ يخرجنَ إلى التراويح والأسواق بوجوهٍ تسرُّ الناظرين وتفتنُ العابدين، فصارت العبادةُ مطيةً للمعصية، وضاع وقارُ الشهر تحت بريق المساحيق الزائفة.
وفي وسط القاعة، قام شيطانٌ ذو نظرةٍ حادة، يُمسك بيده خيوطاً غير مرئية يحرك بها جموع الشباب، وقال باعتزاز:
خطتي كانت أدقَّ وأنفذ.. لقد أغرقتُ الشباب في بحار تزجية الوقت. جعلتُ ليلهم ضجيجاً في المقاهي والكافيهات يتقاذفون أحجار الدومنة، ويحترقون شوقاً في لعبة المحابس ويحبسون أنفاسهم خلف كرةٍ تتقاذفها الأرجل في المباريات. أوهمتهم أن الوقت عدوٌّ يجب قتله فقتلوه وقلوبهم غافلة عن ذكر الله حتى يدركهم الوقت وهم سكارى بلهو الحديث لا يفيقون إلا وقد انبلج فجر يومٍ جديد ضاع من أعمارهم هباءً.
ثم تقدمت شيطانيةٌ ذات مكرٍ دقيق، وقالت:
وماذا عن نصف المجتمع الآخر؟ لقد جعلتُ المطبخ محراباً لهنَّ بدلاً من السجادة! صيرتُ همَّ الواحدة منهنَّ في تنوع الموائد وتعدد الأصناف، تقضي بياض يومها بين قدورٍ تغلي ونيرانٍ تلفح تبحث عن رضا البطون وتنسى غذاء الروح. فإذا ما اقترب الشهر من نهايته وبدأ الناس يشدون المآزر للقيام، قذفتُ في قلوبهم هوس عيد التفاخر جعلتُ الأسواق قبلتهم والاكسسوارات والحلويات همَّهم الأكبر. ينفقون جلَّ أوقاتهم في تجهيز الثياب وتفاصيل الزينة، بحجة الفرح بالعيد، فيمرُّ عليهم "القدر" وهم في زحام الأسواق تائهون!
عندها، ابتسم الشيطان الأكبر ابتسامةً عريضة، كشفت عن أنيابٍ صفراء، وقال بزهوٍ مسموم:
بورك كيدكم! وكيد من هم أفضل منا سيفعلوا في غيابنا ما كنا سنفعله وأكثر. سنعودُ من أصفادنا لنجد الحصاد يابساً، والقلوب قاسية، والأرواح خاوية. لقد صاموا عن الطعام والشراب، لكنهم أفطروا على الغفلة والضياع. سنفكُّ أغلالنا وهم ما زالوا يغطُّون في نومهم العميق فرحين بعيدٍ لم يدركوا من حقيقته إلا القشور.








اضافةتعليق
التعليقات