جلست نرجس في زاوية غرفتها الهادئة، والضوء الباهت المنبعث من شاشة هاتفها ينعكس على ملامحها المستغرقة. كانت أناملها تتحرك بآلية مألوفة، تتنقل بين منصات "إنستغرام" و"يوتيوب" في جولة مسائية معتادة عبر عوالم العالم الافتراضي.
فجأة، استوقفتها خوارزميات المنصة عند مقطع فيديو حظي بملايين المشاهدات. كان المقطع يستعرض حفل زفاف لإحدى مشاهير "السوشيال ميديا". لم يكن الحفل يشبه البهجة المألوفة في شيء، بل بدا وكأنه استعراض صاخب نُزع منه جلباب الحياء بالكامل.
العروس، التي يُفترض أن تكون في ليلة عمرها محاطة بوقار الفرح، كانت تؤدي حركات مخلة وفظيعة أمام الكاميرات، مستجديةً التفاعل والتعليقات، وكأن قدسية الرابطة الزوجية قد تحولت إلى مجرد "تريند" عابر يُباع ويُشترى في سوق المشاهدات.
لم تكد نرجس تستوعب حجم الابتذال في هذا المشهد، حتى قادها المقطع التالي إلى زفاف آخر، لكنه كان أتعس من سابقه؛ استعراضٌ مفرط في المادية والعرّي، وتبجحٌ بالخروج عن قيم الفطرة الإنسانية، وسط تصفيق وهتاف من الحاضرين والمتابعين.
وبينما كانت نرجس تشعر بضيق يتسلل إلى صدرها من هذه المشاهد الراقصة على أنقاض الحياء، حدثت المفاجأة التي أوقفت حركتها تماماً.
ظهرت نفس "المشهورة" صاحبة المقطع الأول، في فيديو جديد نشرته بعد ساعات قليلة. لكنها هذه المرة لم تكن ترقص، بل كانت تجلس برداء هادئ، تتحدث عن قصة زواج الإمام علي من السيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام)! كانت تذكر أسماءهم بكل حب، وتسهب في وصف طهرهم وعفافهم.
تسمّرت نرجس في مكانها، تداخلت في عقلها الصور:
كيف يستقيم الضدان في وعاء واحد؟
كيف يمكن لنفس الشفاه التي تروج للابتذال، أن ترتل آيات الطهر والولاء؟
نحت نرجس هاتفها جانباً، وأسندت رأسها إلى جدار غرفتها، متأملة في هذه الازدواجية الصارخة التي باتت السمة الأبرز لجيل الشاشات. إنه الالتباس العجيب ما بين الدين والدنيا، والتصالح المشوه مع التناقض؛ حيث يتجاور التعري مع الحديث عن الدين، وتتداخل سلوكيات "الفاشينستا" مع زيارة المقدسات، في مشهد غريب يفصل فيه الإنسان بين ظاهره المنفلت وباطنه المتعلق بالقداسة.
لكن، وبعيداً عن هذا التناقض الصادم، التفتت نرجس إلى حقيقة أعمق أضاءت عتمة فكرها: إن الفطرة الإنسانية، مهما تلوثت بأدران المظاهر، تظل بوصلتها متجهة غريزياً نحو النور.
إن هروب تلك المشهورة -وغيرها الكثير- إلى ظلال علي وفاطمة في لحظات صدقها، ليس إلا دليلاً على أن النفس البشرية عندما تبحث عن الاستقرار والأمان الحقيقي، لا تجده في صخب المتابعين ولا في عري الجسد، بل تذهب طائعة إلى أولئك الذين هُم "أصل الوجود".
تأملت نرجس في ذلك البيت الطاهر، بيت النورين، الذي يمثل النقيض المطلق لكل ما شاهدته قبل قليل. هناك، حيث لم تكن الأموال ولا الأضواء هي المعيار، بل كان العفاف هو الدثار، والتقوى هي الزينة.
عادت ذاكرة نرجس الأدبية لترسم لوحة ذلك الزواج المبارك. لم يكن زواجاً عادياً، بل كان قراراً سماوياً هبط به جبريل قائلاً: "يا محمد، إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: إني قد زوجت فاطمة ابنتك من علي بن أبي طالب في المَلأ الأعلى، فزوّجها منه في الأرض".
أيّ جلال هذا؟ وأيّ قداسة؟
المهر: درعٌ حَطَمية بسيطة، بيعت لتبني عشاً لم يعرف التاريخ أطهر منه.
الجهاز: حصير من خوص، ووسادة من أدم حشوها ليف، وقِربة ماء. زهدٌ مادي يفيض بثراء روحي لا تفنيه القرون.
اللقاء: قام فيه علي (ع) يرى في فاطمة (ع) نعم العون على طاعة الله، وكانت ترى فيه النور الذي يكمل مسيرتها.
في ذلك البيت الصغير المتواضع المبني من الطين، التقت النبوة بالإمامة، وامتزج بحر العصمة ببحر المجد، ليخرجا للعالم لؤلؤاً ومرجاناً (الحسن والحسين). لم يكن زواجاً يحتاج إلى عدسات المصورين ليثبت وجوده، بل كانت الملائكة هي التي تحف جنباته، وكان الحياء هو الحارس الذكي لجمال الزهراء، والنبل هو السور الذي يحيط بغيرة علي.
تنفسّت نرجس الصعداء، وشعرت بروحانية الزهراء وعلي تملأ غرفتها طمأنينة. أدركت أن ما يَعرضه العالم الرقمي الآن من زيجات مخلة، ليس إلا زبداً يذهب جفاءً، صخبٌ لحظي ينتهي بانتهاء مدة الفيديو أو "التريند"، وتتبعه حسرة وانفصال روحي.
أما بيت علي وفاطمة، فيظل هو "أفضل مثال لجميع الزيجات" عبر العصور. هو الحقيقة الثابتة التي ترنو إليها القلوب المتعبة، والدليل القاطع على أن الحب الحقيقي لا يُولد في مسارح الاستعراض، بل يُصنع في محاريب العفاف، وينمو تحت ظلال الرضا الإلهي.
أغلقَت نرجس جهازها، وقد انجلت عن عينيها غشاوة التناقض، متمتمةً: "الحمد لله الذي جعل لنا في بيت النورين ملاذاً لفطرتنا كلما تاهت بنا السبل".








اضافةتعليق
التعليقات