من قلب الكاظمية، حيث تغفو بغداد على كتف التاريخ، وحيث تزدحم الأنفاس بآهات الشوق، أقف اليوم ليس بيني وبين "الرضا" إلا مسافات الأرض لكن الروح قد طوت تلك الفيافي.
هنا عند ضريح الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، أقف مستنداً إلى باب الحوائج، أشمُّ عطر "أنيس النفوس" يفوح من بين قضبان ضريح والده، فكأنّ الابن لم يفارق حضن أبيه أبداً.
اليوم لم تولد مجرد نسمة حجازية، بل وُلد النور الشاخص الذي سيحمل على عاتقه إرث الصبر الكاظمي ليحوله إلى "رضا" تسليمي.
أقف اليوم والظروف العصيبة تحول بيني وبين "مشهد"، والقيود تمنع جسدي من الطواف حول القبة الذهبية، لكني أجدك هنا يا أبا الحسن! أجدك في انكسار قلب زائر عند ضريح أبيك، وفي تلك النسمة الباردة التي تمسح على جبين المهمومين في صحن الكاظمين.
فلنستحضر أحد أهم وأبرز القابه عليه السلام وهي "الرؤوف"، هي صفةٌ نحتاجها اليوم أكثر من حاجتنا للهواء في زمنٍ جفّت فيه مآقي القلوب، وتجلدت فيه الأرواح من شدة الصدمات والضغوط. إنَّ ميلادك ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو إعلان سماوي وقاعدة حياة إنسانية تدعونا لاستعادة إنسانيتنا.
نحن الذين نعيش تحت وطأة الكبت والضغط، نحتاج أن نستحضر رأفة الرضا بأنفسنا بأرواحنا التي جعلها الله أمانة عندنا فالرأفة بالذات تبدأ حين نتصالح مع عجزنا البشري، ونلجأ إلى ركنك الشديد لنستمد منه السكينة.
كما اننا نحتاج الرأفة في بيوتنا على أطفالنا وأزواجنا، ففي زمن الضجيج هذا، ننسى أن الرأفة هي لغة البيوت العامرة. أن نترأف بأطفالنا يعني أن نمنحهم "الأمان" قبل الطعام وأن نترأف بأزواجنا يعني أن نكون لبعضنا "أُنس" في وحشة الأيام. لقد كان الإمام الرضا يجمع عياله وخَدَمه ليأكل معهم في مائدة واحدة وهنا يكمن معنى الرأفة والحب الحقيقي .
ويتضح لنا إنَّ الرأفة التي نستلهمها من فيضِ سيرته ليست مجرد عاطفةٍ عابرة، بل هي ميثاقٌ أخلاقي لنُرمم به تصدعات أرواحنا المنهكة. فإذا كان العالم من حولنا يزداد قسوة، وضغوط الحياة تضيق بها الجدران والأنفاس، فإنَّ في 'الرضا' متسعاً، وفي الاقتداء بخُلقهِ نجاة.
فلنخرج من رحاب هذه الذكرى ونحنُ أكثرُ رأفةً بضعفنا، وألينُ جانباً مع من حولنا، جاعلين من بيوتنا واحاتٍ للأمان لا ساحاتٍ للصراع. فما كانت الرأفة في شيءٍ إلا زانته، وما كانت في قلبٍ إلا جعلت منه حجازاً من الطمأنينة ولو حاصرته القيود.
و لابد أن نَعي أنَّ الرضا هو الإرث الأبقى في زمن الجفاء.








اضافةتعليق
التعليقات