إن الحرية بمفاهيمها الواسعة هي مصدر الأصالة في حكومة الإمام وفي سياسته، وإنها لديه مرتبطة بعلاقات أبناء المجتمع بعضهم ببعض بقدر ما هي مرتبطة بالضمير والوجدان. ثم إن الإنسان الصاعد في طريق التعاون والتآخي لا يمكنه هذا الصعود إن لم يكن حرًّا بجانبيه الذاتي والاجتماعي. فليس حرًّا ذاك الذي لا يصفو ضميره من الشوائب التي تحط بالقدر الإنساني، وليس حرًّا ذاك الذي يهمله المجتمع عمليًّا وإن أقر له بحقوقه، أو ببعضها، إقرارًا نظريًّا.
في سبيل هذا البناء في الفرد وفي الجماعة، وقف الإمام علي من محبيه ومبغضيه على السواء موقف المصمم العازم، لا يقهره مطمع في غير الحق، ولا يزعزعه عما هو عليه وعد أو وعيد. وكان يعلم حق العلم أن ذاك ثقيل على بعض الناس، فيقول: «إن أمرنا صعب مستصعب...» ولكن العقل والضمير يأمران، وما لغيرهما شأن لديه! وقد صدق ظنه في أن النافذين من القوم لن يحتملوا أسلوبه في الولاية، ولن يطيقوا صلابته في الدفاع عن هذا الأسلوب، على نحو ما أعلن قبل البيعة. فقد أرادوه، بعد البيعة، أن يكون لهم دون العامة، فأبى أن يكون لغير الحق.
جاء طلحة والزبير يساومانه قائلين: «نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر!» فقال، غير متردد: «لا». فتفرقا عنه، وزحفا عليه بالجيوش على ما سيأتي بيانه، وعلي أعلم الناس بما لطلحة والزبير من نفوذ ومكانة. ولكنه العدل! ولكنه ابن أبي طالب! ابن أبي طالب الذي يقول لهؤلاء وهؤلاء: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله ما أطور ـ آمر ـ به ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجمًا! ألا إن إعطاء المال في غير حقه إسراف وتبذير!».
عزم الإمام علي على أن يدك ما ارتفع في العهد السابق من حصون الاحتكار واستغلال النفوذ ونهب الأرزاق، وسائر ما شيده أولئك الأثرياء الذين يقول في أمثالهم: «وأما الأغنياء من مترفي الأمم فتعصبوا الآثار مواقع النعم». فخطب في الناس يقول:
«ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شيء. ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددته، فإن العدل في سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق!».
قد يعدل بعض الولاة وأصحاب السلطان، فلا يثبتون على غير جهد، ولا يبذرون مال الشعب بإرادة متقرب أو قريب، أو بإشارة صديق أو حبيب. أما أن يعود إلى من أيسروا في عسر الشعب، في أيام لم تكن أيامه، فيحاسبهم، فيستعيد منهم ما ليس لهم، فتلك دلالة صريحة على عمق نظرته إلى الأمور، وعلى أن إيمانه بالعدالة ليس ما يتيسر للناس من الإيمان، بل إنه موطد على دعائم من العقل الرجيح الذي لا تفوته خفايا الأمور، ولا يطغى عليه عرف العصر والناس.
فإذا كان للمرء ألا يثاب إلا في نطاق من خدمة الجماعة، فأي جهد في سبيل الجماعة بذله الحارث بن الحكم حتى يستحق مائتي ألف درهم تبذل له من مال الشعب يوم عرسه، إن لم يكن زواجه بنت عثمان هو هذا الجهد وهذه الخدمة؟!
وأي جهد في سبيل الجماعة قدمه طلحة والزبير حتى يحصلا على أموال الدولة بغير حساب، ويقطعا ما لا طمع ببعضه للملايين من الناس؟ أما إذا كان لهما فضل السابقة في الإسلام، فإن الفضل في ذلك عند الله، كما يقول الإمام، والدنيا معاش، والناس في المعاش أسوة!
وما هي وجوه الخير التي أطلت على الشعب مع الولاة من قرابة عثمان وأنصاره كي يوسع عليهم في الملك والأموال والثروات والأجناد والتحكم في الرقاب؟ وفي هؤلاء معاوية الراشي، والحكم بن العاص طريد الإسلام، وعبد الله بن سعد، وغيرهم من الأهل والأنصار؟!
من أين لمعاوية فلسطين وحمص تضمان إلى ولايته، والأجناد الأربعة تجمع له قيادتها؟
ومن أين لغيره الثروات والدور والقصور في كل بلد وكل مصر؟ أجل، يا هذا! من أين لك هذا؟! كيف حصلت على هذه القصور وهذه الأموال، وليس في أعمالك ما يثبت على صعيد الخدمة العامة فيما أطلّت عليك الشمس؟!
أما إذا مر الزمان على احتوائك المال والأرض، فما ذاك بحجة لأن يظل المعوج على اعوجاجه، والحق لا يبطله شيء. إذن، فكل قطيعة، وكل مال أعطي بغير حق، هو مردود في بيت المال، ولو وجد قد تزوج به النساء وفرق في أنحاء الأرض، فإن العدل، وهو في سعة، لن يضيق ولن يحد في إطار من هذه الأطر التي قد يتعلل بها المستنفعون!
وهنالك أمر جدير بأن ينظر فيه، وهو أن الإمام كان يحسب اقتطاع الأرض بالقرابة والنفوذ في جملة المال المنهوب، ذلك لأنه يعرف، بحكم الواقع، أن هذه الأرض مصدر ثروة، ثم علة تملك. ثم يرى بسديد عقله أن مقتطعيها من الحكام والأثرياء والنبلاء لا شك أنهم سيسعون في استرقاق العامة لخدمة هذه الأرض واستخراج خيراتها، مما يجعل الأرض سببًا في تضخم الثروة لديهم، فيما يتضاءل الآخرون شيئًا فشيئًا. ثم يعود أصحاب الإقطاعات الكبيرة فيشترون من صغار الملاكين ما يملكون، حتى تتألف في الشعب طبقة الإقطاعيين وطبقة المغبونين: «ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة ـ اقتطاع ضيعة ـ بمن يليها من الناس في شرب أو عمل يحملون مؤونته على غيرهم...».
وقد صدقت نظرة الإمام إلى ما يصير إليه أصحاب الضياع الواسعة من النفوذ والسلطان واسترقاق الناس في سبيلها، ثم بها. يقول الدكتور طه حسين في كتابه «عثمان»: «وجدت الإقطاعات الكبيرة الضخمة والضياع الواسعة العريضة من جهة، وقام فيها العاملون من الرقيق والموالي من جهة أخرى، فظهرت في الإسلام طبقة جديدة من الناس هي طبقة البلوتوقراطية التي تمتاز، إلى أرستقراطيتها التي تأتيها من المولد، بكثرة المال وضخامة الثراء وكثرة الأتباع أيضًا!».
إن المال والأرض، والخيرات الناجمة عنها، ليس لأحد فيها نصيب أكثر من سواه إلا بجهد وحاجة. ومن أبى هذه الحقيقة فقد خان الشعب، وأعظم الخيانة خيانة الأمة في نظر الإمام. ومن خان الأمة فلا رأي له، ولا شأن لموقفه من الخليفة الجديد. لذلك هو عازم على أن يعمل بما يحفظ لهذه الأمة حقوقها، وابن أبي طالب إذا عزم لا يخشى موقف النافذين منه ولا قولهم فيه، ولا هو يأبه للحاقهم بأخصامه ومحاربيه. فهو الحق الذي يعزم، والعدالة التي تنطق.
وليس حتى لأصحاب النبي والمجاهدين معه فضل بهذه الصحبة وهذا الجهاد على غيرهم من الخلق: «أيها الناس، ألا لا يقولن رجال منكم غدًا قد غمرتهم الدنيا، فامتلكوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيل، واتخذوا الوصائف المرققة، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي تعلمون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا! ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فإن الفضل غدًا عند الله. فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد...».
أما موجز دستور الإمام علي في هذا الوضع، فقوله في عهده إلى الأشتر: «إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة!». والحقوق العامة هي ما يتساوى فيه الناس، وإياها يعني ابن أبي طالب.








اضافةتعليق
التعليقات