تواترت الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حول ظهور المهدي، ونقلها السنة والشيعة في كتبهم. ومن خلال التدقيق يتضح لكل ذي لب أن موضوع المهدي كان من المسائل المسلَّم بها في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان المسلمون ينتظرون ظهور رجل يقيم العدل ويمحق الظلم ويصلح شأن العالم؛ ولهذا لم يكونوا يتساءلون عن أصل الموضوع، وكانت أحاديثهم تدور حول مسائل فرعية: عن أصله ونسبه، عن اسمه وكنيته، وعن صفاته وخصاله، وعن موعد ظهوره، وهل هو شخص واحد أم شخصان، ويبحثون في سبب غيبته، وما ينبغي عمله أثناء غيابه.
وكان رسول الله لا يفتأ يردد في كل مناسبة أن المهدي من أهل بيتي من ولد فاطمة والحسين، ويصرح باسمه وكنيته ويذكر علاماته.
في عهد الصحابة والتابعين
وعندما انتقل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى، ظلت قضية المهدي أمراً مفروغاً منه بين كبار الصحابة والتابعين يتحدثون عنها ويبشرون بها.
ذكر أبو هريرة أن المهدي يبايَع بين الركن والمقام.
وقال ابن عباس وهو عند معاوية: «يبعث الله منا أهل البيت المهدي».
وقال أبو معبد (مولى ابن عباس): وافيتُ ابن عباس يوماً فقلت: يا بن عباس، حدثني عن المهدي. قال: «إني لأرجو أن لا تنقضي الليالي والأيام حتى يبعث الله منا أهل البيت غلاماً شاباً -أو قال فتى شاباً- يلبس الفتن ولم تلبسه، فيقيم أمر الله».
وذكر ابن عباس: «أن المهدي من قريش ومن ولد فاطمة».
وقال عمّار بن ياسر: «إذا قُتل النفس الزكية ينادي منادٍ في السماء: أميركم فلان، وذلك المهدي الذي يملأ الأرض حقاً وعدلاً».
وذكر عبد الله بن عمر المهدي، فقال أعرابي: هو معاوية بن أبي سفيان. فقال عبد الله بن عمر: «لا ولا كرامة، بل هو الذي ينزل عليه عيسى ابن مريم».
وقال عمر بن قيس: قلت لمجاهد: عندك في شأن المهدي شيء، فإن هؤلاء الشيعة لا نصدقهم؟ قال: «نعم عندي فيه شيء مثبت؛ حدثني رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن المهدي لا يخرج حتى تُقتل النفس الزكية، فإذا قُتلت النفس الزكية غضب عليهم مَن في السماء ومَن في الأرض، فيأتي الناسُ المهديَّ فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً».
وقالت عميرة بنت نفيل: سمعت بنت الحسن بن علي تقول: «لا يكون هذا الأمر الذي تنتظرون حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضاً، ويتفل بعضكم في وجه بعض، وحتى يشهد بعضكم بالكفر على بعض».
وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (مقاتل الطالبيين): أن فاطمة بنت الحسين كانت تقبّل نساء بنيها وأهل بيتها حتى قال لها بنوها: خشينا أن نُسمى بني القابلة. فقالت: «إني لي طِلبة لو ظفرت بها لتركت ما ترون».
وسأل قتادة ابنَ المسيب: أالمهدي حق؟ فأجاب: «أجل، هو حق، وهو من قريش ومن ولد فاطمة».
وكان طاووس يتمنى أن يمتد به العمر حتى يدرك المهدي.
ويقول الزهري: «المهدي من ولد فاطمة».
وكتب أبو الفرج: حدثنا الوليد بن محمد الموقري قال: كنت مع الزهري بالرصافة فسمع أصوات لعابين، فقال لي: يا وليد انظر ما هذا. فأشرفت من كوة في بيته، فقلت: هذا رأس زيد بن علي. فاستوى جالساً ثم قال: «أهلك هذا البيتَ العجلةُ». فقلت: أوَ يملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين عن أبيه عن فاطمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لها: «المهدي من ولدك».
كما روى أبو الفرج عن مسلم بن قتيبة قوله: أرسل إليّ أبو جعفر فدخلت عليه فقال: «قد خرج محمد بن عبد الله وتسمى بالمهدي، ووالله ما هو به، وأخرى أقولها لك لم أقلها لأحد قبلك ولا أقولها لأحد بعدك؛ وابني والله ما هو بالمهدي الذي جاءت به الرواية، ولكنني تيمنت به وتفاءلت به».
ويذكر ابن سيرين أن المهدي الموعود من هذه الأمة، وأن عيسى بن مريم يصلي خلفه.
وقال عبد الله بن الحارث: «إن المهدي ينهض بالأمر وهو في الأربعين من عمره».
ويعلل كعب تسمية المهدي بأنه يُهدى إلى ما خفي من الأمور.
وعند عبد الله بن شريك: «إن راية رسول الله لدى المهدي».
وذكر طاووس: «من علاماته شدته مع الولاة، وبذله للأموال، ورحمته بالمحرومين».
ويروي الحكم بن عيينة: أنه سأل محمد بن علي عن رجل من أهل البيت يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فأيد ذلك.
وروى سلمة بن زفر أنه ذُكر المهدي عند حذيفة فقال: «لا يظهر حتى تمتلئ الأرض بالجور».
وأنشد جرير شعراً عند عمر بن عبد العزيز قائلاً:
أنت المبارك والمهدي سيرته ... تعصي الهوى وتقوم الليل بالسور
وكانت أم كلثوم بنت وهب تقول: «كان يوجد في الرواية أنه يملك رجل اسمه اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».
وقال محمد بن جعفر: شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه وما نلقى، فقال: «اصبر حتى يجيء تأويل هذه الآية: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}».
وقال فضيل بن الزبير: سمعت زيد بن علي يقول: «هذا المنتظر من ولد الحسين بن علي، في ذرية الحسين وفي عقب الحسين».
وقال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: «والله لا يكون المهدي أبداً إلا من ولد الحسين».
الانتظار
تغلغل الاعتقاد بالمهدي في أذهان المسلمين حتى باتوا يعدون الأيام لظهوره، وكان لا يراودهم شك في انتصاره وإقامة دولة الحق. وكان هذا الاعتقاد يترسخ كلما اشتد الظلم، والانتظار يشتد كلما سادت الفوضى وعم الفساد والانحراف؛ وكانوا من وطأة الحوادث المريرة يرون المهدي في بعض الأفراد والشخصيات التي تنتسب إلى آل البيت (عليهم السلام) أملاً في الخلاص.








اضافةتعليق
التعليقات