لعلّ طلب العلم هو من أعقد امتحانات الإخلاص وأشدّها عمقًا. وتكمن خطورة هذا الامتحان في أنّ تأثير العلم قد يكون أوسع بكثير من تأثير الرئاسات الدنيويّة والمهن المختلفة؛ هذا بالإضافة إلى التشعّبات الكثيرة للعلم في الحياة؛ ممّا يجعل اكتشاف نقطة الإخلاص فيه أمرًا صعبًا جدًّا.
غالباً ما نتساهل بخصوص العلم، فنقول إنّ الله يحبّ لنا أن نطلب العلم، بل إنّ طلب العلم فريضة؛ وبالتالي، فإنّ أيّ علم نطلبه سيكون محبوبًا عند الله! لكنّ النظر في آثار العلم في الحياة من جهة، والافتقار والحاجة إلى أنواع مهمّة من العلم غير الموجود بيننا، يعطينا نتيجة معاكسة؛ وهي أنّ هناك العديد من العلوم ليس مطلوبًا، بل بعضه يكون مضرًّا ويجب تجنّبه.
قسمٌ مهمٌّ من العلوم المتاحة بين أيدي البشر يرتبط بالحياة الاجتماعيّة. أي أنّ هذه العلوم هي ذات وظيفة مختصّة بحياة البشر والأرض، ولا تنحصر في تأثيرها على الفرد أو في تحديد مسؤوليّته الخاصة.
ولهذا، لا ينبغي أن ننظر إلى العلم بمعزل عن دوره الاجتماعيّ والأرضي والكونيّ. فإذا كان هناك من يقوم بهذا الدور ويكفيه، فتحصيل هذا العلم لماذا؟ وإذا كان هذا العلم لا يحقّق أهداف الدين في التقدّم بحياة البشر وإصلاح الأرض، فلماذا نطلبه؟ وإذا كان العلم عبارة عن اكتشاف الوقائع، فهل يُعدّ اكتشاف الوقائع الفيزيائيّة للكون مثلًا أمرًا مطلوبًا، ولماذا؟
فمثل هذه الأسئلة تساعدنا على الإخلاص، أي تساعدنا على تحديد العلم الذي يريده الله تعالى، لأنّ الإخلاص في طلب العلم يعني أن لا نطلب منه إلّا ما يكون منسجمًا مع المشروع الرساليّ الإلهيّ.
ولأنّ المخلص لا يريد إلّا إرادة الله، ولأنّ إرادة الله تعالى ظاهرة ومفصّلة في دينه، فهو يعلم أنّ طلب العلم لا ينبغي أن يخرج عن رسالة الدّين وأهدافه.
وحين نتأمّل في معادلة العلم الكبرى، نجد أنّ العلم فيضٌ إلهيٌّ ممتزج بالحكمة والقدرة والرّحمة وبقيّة الصفات. فإن كنّا نريد العلم الإلهيَّ، أي العلم الصافي النافع المنسجم مع رسالة الدّين وخطة الإله، فلا ينبغي أن نعزله عن الدور الصالح والنافع والمطلوب (أي الحكمة) ولا عن التأثير والتطبيق (أي القدرة) ولا عن إيصال الأشياء إلى غاياتها الجميلة (أي الرّحمة)؛ فلا علم حقيقيًّا مصيبٌ للواقع إلا إذا امتزج بهذه العناصر.
ولهذا، إذا أراد الله تعالى أن يضلَّ إنسانًا لما جنته يداه، فإنّه يعطيه العلم الخالي من الحكمة، فلا يعلم كيف يستخدمه وما الذي يفيده فيه. قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.
وفي هذه المعادلة الإلهيّة والسنّة الربّانيّة، لا ينال العلم الحقيقيَّ إلّا من طلبه مخلصًا؛ أي طلبه لأجل عبادة الله تعالى. ولعلّك سمعت قصّة عنوان البصريّ وسعيه لطلب علم الإمام الصادق عليه السلام وما جرى معه ممّا يتضمّن أبلغ الدروس والعبر. وأحدها أنّ الإمام عليه السلام أكَّد لعنوان أن لا يطلب العلم إلّا للعبوديّة حيث قال له: «يا أبا عبد الله ليس العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ إنَّما هُوَ نُورٌ يقَعُ في قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّه تَبارَك وتَعالى أَنْ يَهْدِيَهُ، فإنْ أَرَدْتَ العِلْمَ فاصْلُبْ أوَّلاً في نَفْسِكَ حَقيقَةَ العُبُودِيَّةِ، واطْلُبِ العِلْمَ باسْتِعْمالِهِ، واسْتَفْهِمِ اللَّه يُفْهِمْكَ.»؛ أي لأجل طاعة الله وتنفيد إرادته.
وحين يسعى الإنسان في طلب العلم من أجل هذا الهدف، فإنّ الله يفيض عليه من العلم ما يعينه عليه. وإذا أفاض عليه ما يزيد عن ذلك، فهو يعلم أنّه نوعٌ من الاختبار والابتلاء، ليرى الله تعالى فيما إذا كان مخلصًا في طلب العلم أم يريد المزيد لسبب آخر!
وأجمل ما يعبّر عن هذه المعادلة الرائعة قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}.
لهذا، فإنّ المخلصين غير قلقين تجاه الحصول على العلم، وكيف يقلق من عرف كرم الله وفضله، بل كلّ همّهم ينصبُّ على تحديد ما يريده الله تعالى من عمل؛ وعلى ضوء ذلك يتم تحديد العلم المطلوب المساعد على تطبيقه والقيام به.
فالعمل يأتي أوّلًا، ويتبعه العلم، وهذا الأمر يخالف تمامًا ما يجري في معظم المعاهد والحوزات العلميّة، حيث يتم حشو الطلاب بالعلوم والمعارف المختلفة، عسى أن يكتشفوا بعدها ما هو مطلوبٌ لهم؛ وذلك لأنّ معظم هذه الحوزات العلميّة، إن لم نقل جميعها، لا تبني برامجها انطلاقًا من الرؤية الكونيّة الإسلاميّة للحياة والخطّة الإلهيّة للكون؛ بل يندر أن تجد من يطرح هذه القضيّة على مسامع الطلاب.
فافتقدت مجامعنا العلميّة وجامعاتنا مثل هذه النظرة، ولم يعد الدين بالنسبة لها خطّة شاملة ذات برنامج متدرّج في مراحله، أضاعت العلم المطلوب وضلَّت طريقه، وصار الطلاب يتعلّمون لأداء التكليف أو تخدم المجتمع أو تحمي العقائد أو تروّج القيم، وكل هذه قيم للعلم لكنّها ليست الخطّة ولا المسؤولية.
فإذا كنت تدرس الفيزياء، هل تعلم إلى أين ستوصلك هذه الدراسة؟ وما الذي يمكن أن تقوم به بعد إنهاء الدراسات العليا؟ أم أنّك ستتعرَّف إلى ذلك لاحقًا؟ وهل يمتلك أهل هذا العلم رؤية واضحة بشأن دور الفيزياء في التقدّم بالمجتمع وإصلاحه؟ وإذا كنت تدرس الفقه والشريعة، فهل تعرف ما هي الخدمات الملقاة على عاتق الفقهاء في هذا الزَّمن؟ وما هي الفراغات التي ينبغي أن يسدّوها؟ وهل يوجد عددٌ كافٍ لتحقيق ذلك؟
وقبل أي شيء، هل أنَّ دراسة هذا العلم أولى من ذاك؟ وهل أنَّ الفراغ الموجود في ذاك العلم يمكن التغاضي عنه بخلاف الفراغ الحاصل من ندرة العلماء والتحقيقات العلميّة في هذا العلم؟
إنّها أسئلة الباحثين عن الإخلاص، وليست أسئلة الذين يسعون وراء المشهور ووراء الرّغبات. فبالنسبة لطلّاب الإخلاص، ينبغي أن يتأكّدوا تمامًا أنَّ هذا العلم هو الذي يريده الله منهم في هذا الزّمان والمكان ضمن الخطّة الإلهيّة الكبرى.
ولهذا، فإنّهم يبدأون من التعرّف إلى هذه الخطّة وتحديد تكليفهم وموقعيّتهم فيها؛ ثمّ يحدّدون ما هو العلم الذي يساهم في إنجاز هذا التكليف؛ فإذا طلبوه فإنّهم يعلمون يقينًا أنَّ الله سيفيضه عليهم، وهم يثبتون ذلك من خلال السهر وبذل الجهد والمصابرة والمباحثة والمطالعة والدراسة والغض عن أي علم آخر لا علاقة له بتكليفهم.
إنّ الدكتوراه أمرٌ جميل، ولكن ما هي مساهمتها في أداء تكليفك ضمن الخطّة؟ وإنّ الاجتهاد الفقهيّ أمرٌ رائع، ولكن ما الذي ستقدّمه للمجتمع وفق المشروع الرسالي؟
أتحب أن تكون طبيبًا؟ حسناً، ما أجمل أن تعالج الناس وتخفّف من آلامهم؛ ولكن هل يحتاج المجتمع إلى طبيبٍ آخر في مجال الأنف والأذن؟ وهل أنت متأكّد أنَّ دراسة هذا الطبّ ستساهم في المعالجة الحقيقيّة أم أنّها ستساهم في تسويق بضاعة شركات الأدوية؟
هل يمكنك أن تتأكّد فيما إذا كان تعليمك الفيزياء في الجامعة الفلانيّة سيخرّج بعض الطلاب الذين سيخترعون سلاحًا يستخدمه الأعداء؟ وهل تعلم أنّ مساهمتك في تحسين أداء شركة گوگل يلعب دورًا كبيرًا في تثبيت احتكار أمريكا للإنترنت؟
المخلص لا يتغاضى عن هذه الأسئلة، ولا يتركها إلى ما بعد الدراسة والتخرّج، لأنّ طلبه للعلم كان منذ بداية على أساس تطبيق إرادة الله.
أجل، ينبغي أن أعترف أنَّ مدارسنا ومعاهدنا لا تساعدنا أبدًا على اكتشاف هذه الإرادة (أي تحديد التكليف الدقيق). وإنّما تحثّنا على تحقيق رغباتنا وأمنياتنا. وما أبعد هذا عن الإخلاص!
إنَّ تساهل البشر تجاه العلم هو الذي أوصلنا إلى هذا الوضع الوخيم حيث يؤدّي العلم إلى تخريب الأرض وإلى كل هذا الفساد وإلى التفرقة والاختلاف. وإلّا فإنّ العلم هو أساس الحياة والتقدّم والازدهار والخير والصلاح، بشرط أن يوضع في مكانه وأن يتّبع خطّة واضحة.
هذه الامتحانات وغيرها تهدف إلى بلورة جوهر العبودية فينا وصقلها، لأنّنا في ظلّ العبودية نرتفي في مدارج الوصول إلى الله تعالى، حيث الكمال المطلق لنا وللمجتمع؛ كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «العبوديّة جوهر كنهها الربوبيّة فما فُقد من العبودية وُجد في الربوبية وما خفي عن الربوبية أُصيب في العبودية.»
وحين نستغني عن هداية الله ونظن أنّنا سنقدر بأنفسنا على اكتشاف سبل الخير والمنافع، فسوف نضل ضلالًا مبينًا، حتى لو كنّا طالبين للعلم.
إنَّ أساس الخير في العالم يبدأ من الله ومن السعي على طريق إرادته، وحين ننحرف عن هذا السبيل، فلن نجد الخير أبدًا ولو سرنا مسافة آلاف السنين. فكل هذا التراث العلمي والمعرفي الذي بُني على غير هذا الأساس، فاقدٌ للقيمة الحقيقية عند الله تعالى ولا يمكن أن يهدي البشرية. وما لم يكتشف الناس ذلك السبيل وتلك الخطّة والإرادة، فلا يُتوقّع لهم أن يصلوا إلى السعادة الحقيقيّة يومًا.
هذا هو درس الإخلاص الأكبر. وفيه نقول قول الله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.
وقول الشاعر:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطلُ.








اضافةتعليق
التعليقات