في بعض المجتمعات، لا يُنظر إلى المرأة التي تأخر زواجها بوصفها إنسانة تمضي في حياتها وفق ظروفها واختياراتها، بل كأنها خرجت عن المسار المرسوم لها. وكلما تقدمت بها السنوات، بدأ السؤال يتغير من: «متى ستتزوج؟» إلى أسئلة أكثر قسوة وتطفلاً: «لماذا لم تتزوج؟»، ثم قد ينحدر الأمر إلى ما هو أشد إيلاماً: «لا بد أن وراءها قصة».
وهكذا تتحول سنة الميلاد من رقم عابر في سجل الحياة إلى قرينة اتهام، ويصبح عدم الزواج باباً مفتوحاً للتخمين والافتراء.
المفارقة المؤلمة أن الفتاة قد تكون أمضت سنوات من عمرها في مسؤولية لم يخترها كثيرون ممن يراقبونها؛ ربما اعتنت بوالديها، أو تحملت مسؤولية إخوتها، أو ببساطة لم تجد الرجل الذي تشعر أنه أهل لأن تشاركه عمراً كاملاً. ومع ذلك، لا يُقرأ كل هذا بوصفه نضجاً أو تضحية أو وعياً، بل قد يُختزل في جملة جارحة: «كبرت ولم تتزوج، إذن لا بد أن هناك سبباً خفياً».
لكن أي منطق هذا الذي يجعل غياب الزواج دليلاً على وجود الخطيئة؟
الزواج في جوهره ليس شهادة صلاح تُمنح للمرأة، ولا الزواج المتأخر وصمة، كما أن الزواج المبكر ليس شهادة على حسن السيرة. إنه علاقة إنسانية بالغة الحساسية، تقوم على التوافق والقبول والنضج والمسؤولية، وليس مجرد موعد ينبغي للفتاة أن تبلغه قبل أن ينتهي «وقته».
الأشد قسوة أن بعض المجتمعات لا تكتفي بالتساؤل، بل تصنع من الظنون روايات كاملة. فإذا لم تعرف العائلة سبباً واضحاً لتأخر زواج ابنتها، تولّى الخيال الشعبي مهمة اختراع الأسباب. قد يقال إنها مرتبطة بأحدهم، أو إنها ترفض الرجال بلا سبب، أو أن في حياتها سراً تخفيه. وفي حالات أكثر انحطاطاً، يصل الكلام إلى الطعن في شرفها، وكأن عجز الناس عن فهم حياتها يمنحهم حق محاكمتها.
وهنا لا يعود الأمر مجرد «كلام ناس». فالسمعة ليست لعبة، والاتهام بالشرف ليس رأياً عابراً يمكن التراجع عنه بسهولة. كلمة واحدة قد تجرح سنوات من الكرامة، وقد تترك في نفس امرأة بريئة أثراً لا يراه من أطلقها. والأخطر أن المجتمع قد يتعامل مع القذف بوصفه فضولاً، بينما هو في حقيقته اعتداء على إنسان وحقه في أن يُحترم ويُصدَّق ويُترك وشأنه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: «لماذا لم تتزوج هذه المرأة؟» بل: «لماذا نشعر أن علينا معرفة السبب أصلاً؟»
هناك تفاصيل في حياة الآخرين لا تُمنح لنا لمجرد أننا أقرباء أو جيران أو أصدقاء. وليس كل ما نجهله سراً، وليس كل ما لا نفهمه خطأ، وليس كل ما يخالف توقعاتنا انحرافاً عن الصواب.
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف «الستر» في وعينا الاجتماعي. فالستر ليس أن نخفي عيباً نعتقد أنه موجود، وإنما أن نكف عن اختراع العيوب أصلاً. والاحترام ليس أن نبحث عن تفسير مقبول لحياة امرأة، بل أن نقبل أن لها حياة لا تحتاج إلى تبرير أمام أحد.
الفتاة التي لم تتزوج ليست مشروع شبهة، وليست ملفاً مفتوحاً للتحقيق، وليست ناقصة لمجرد أن خاتم الزواج لم يزين يدها. قد تكون اختارت أن تنتظر، وقد تكون الظروف اختارت عنها، وقد تكون قدّمت واجبات أخرى، وقد تكون لم تجد الإنسان المناسب. وفي كل الحالات، تبقى قيمتها الإنسانية كاملة لا ينقص منها غياب شريك.
إن المجتمع الناضج لا يقيس المرأة بمن طرق بابها، ولا بعدد السنوات التي بقيت فيها بلا زواج، بل بما تحمله من أخلاق ووعي وكرامة وأثر. وحين نصل إلى هذه المرحلة من النضج، لن نحتاج إلى أن نسأل المرأة: «لماذا لم تتزوجي؟» بقدر ما سنسأل أنفسنا سؤالاً أكثر أهمية: «لماذا جعلنا الزواج مقياساً لشرف الإنسان؟»
ربما لا تحتاج المرأة التي تأخر زواجها إلى محامٍ يدافع عنها، بقدر ما تحتاج مجتمعاً يتوقف عن اتهامها. فالكرامة لا تُقاس بسرعة الوصول إلى الزواج، والشرف لا يسقط من يد امرأة لأنها لم تجد شريكاً مناسباً. وما بين الأمرين مساحة واسعة اسمها الحياة، ومن حق كل إنسان أن يعيشها دون أن يُجبر على تقديم أدلة براءته من تهمة لم يرتكبها.








اضافةتعليق
التعليقات