في كل يوم، وربما في كل ساعة، تعبر أمامنا عشرات الأخبار والرسائل والمقاطع المصوّرة. بعضها يثير الدهشة، وبعضها يستفز الغضب، وبعضها يدفع إلى التعاطف أو الخوف أو السخرية. وما إن يقع الخبر في أيدينا حتى نشعر، غالباً، برغبة سريعة في إعادة إرساله إلى الآخرين، وكأن سرعة المشاركة أصبحت جزءاً من إيقاع الحياة الحديثة.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: ما الذي وصل إلينا؟ بل: ما الذي نفعله بما يصل؟
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي طبيعة تداول المعلومات بصورة غير مسبوقة. ففي الماضي كانت الأخبار تمر عبر مؤسسات إعلامية ومحررين ومراحل من التحقق، أما اليوم فقد أصبح كل فرد غرفة أخبار متنقلة، يمتلك القدرة على النشر والتأثير والوصول إلى مئات الأشخاص أو آلافهم بضغطة واحدة. وهذه الحرية الواسعة، على أهميتها، حملت معها مسؤولية أخلاقية لا تقل اتساعاً.
المشكلة أن كثيراً من الأخبار لا تنتشر لأنها صحيحة، بل لأنها مثيرة. فالمحتوى الذي يحرّك العاطفة ينتقل أسرع من المحتوى الذي يحرّك العقل. ولهذا تنتشر الشائعات في أوقات الأزمات، وتتسع دائرة الأخبار المفبركة، وتتحول بعض القصص غير الموثقة إلى “حقائق” متداولة لمجرد كثرة تكرارها.
وقد لا يدرك الإنسان أنه حين يشارك خبراً غير متحقق منه، فإنه لا ينقل معلومة فحسب، بل قد يشارك في صناعة قلق عام، أو تشويه سمعة، أو إشعال خلاف، أو تكريس ظلم بحق شخص أو جماعة. فكلمة عابرة، أو مقطع مجتزأ، قد يترك أثراً طويلاً لا تمحوه اعتذارات متأخرة.
لهذا جاء التوجيه القرآني بالغ الدقة والعمق حين قال تعالى:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
إنها كلمة قصيرة في مبناها، لكنها واسعة في معناها الحضاري والإنساني. فهي لا تدعو إلى الشك المرضي، ولا إلى تعطيل تداول المعلومات، وإنما تدعو إلى التثبت قبل إصدار المواقف وبناء الأحكام. وكأن القرآن يضع قاعدة أخلاقية خالدة للتعامل مع الأخبار: لا تجعل انفعالك أسرع من وعيك.
وفي عصر السرعة الرقمية، تبدو هذه القيمة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فنحن نعيش زمناً تختلط فيه الحقيقة بالرأي، والواقع بالتلاعب، والصورة الأصلية بالصورة المعدّلة، حتى أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من الوصول إلى اليقين نفسه.
ولعل المقلق في الأمر أن كثيراً من الناس لا يشاركون الأخبار بدافع السوء، بل بدافع الحماس أو الفضول أو الرغبة في السبق، غير أن النوايا الحسنة لا تمنع النتائج السيئة دائماً. فالمجتمعات لا تتضرر فقط من الكذب المتعمد، بل أحياناً من التسرع غير المقصود.
ومن هنا تصبح المسؤولية الفردية ضرورة أخلاقية. قبل أن تضغط زر “إعادة الإرسال”، ثمة أسئلة بسيطة تستحق أن تمر في الذهن:
هل المصدر موثوق؟
هل الخبر كامل أم مجتزأ؟
هل يمكن أن يسبب ضرراً لأحد؟
هل أملك دليلاً حقيقياً على صحته؟
وهل نشره ضرورة أم مجرد اندفاع لحظي؟
إن التوقف للحظات قبل النشر ليس ضعفاً في التفاعل، بل احترام للحقيقة، واحترام للناس أيضاً. فالمجتمعات المتماسكة لا تُبنى فقط بالقوانين، وإنما تُبنى كذلك بأخلاق الأفراد في الكلام والنقل والتعليق.
ومن المؤسف أن بعض المنصات الرقمية تكافئ السرعة أكثر مما تكافئ الدقة. فالمحتوى الصادم يحصد الانتشار، بينما يحتاج التصحيح الهادئ إلى وقت أطول ليصل. ولهذا أصبح الوعي الشخصي خط الدفاع الأول أمام فوضى المعلومات.
إننا لا نحتاج فقط إلى تطور تقني يكشف الأخبار الكاذبة، بل نحتاج أيضاً إلى ثقافة إنسانية تعيد الاعتبار لقيمة التثبت. فالتقنية مهما بلغت لا تستطيع أن تعوّض غياب الضمير، ولا يمكن للخوارزميات أن تقوم مقام المسؤولية الأخلاقية للإنسان.
وقد يكون أجمل ما تمنحه لنا قيمة “التبين” أنها تجعل الإنسان أكثر اتزاناً في زمن الانفعال الجماعي. فليس كل ما يُقال يستحق التصديق، وليس كل ما يُعرف يجب نشره، وليس كل ما ينتشر يمثل الحقيقة.
في النهاية، قد تبدو ضغطة زر أمراً عابراً، لكنها أحياناً تصنع أثراً أبعد مما نتخيل. ولذلك، فإن لحظة التوقف قبل مشاركة الخبر ليست تعطيلاً للتواصل، بل حماية له من أن يتحول إلى وسيلة لإيذاء الناس أو تضليلهم.
وفي عالم تتسابق فيه الأصوات، ربما أصبح التروي شكلاً من أشكال الحكمة، وأصبح التثبت موقفاً أخلاقياً لا يقل أهمية عن الكلام نفسه.








اضافةتعليق
التعليقات