"إضاءات وتأملات" استغرقت وقتاً من القراءة والتدبر، وصيغت بلغةٍ تجمع بين صرامة الفكر وعذوبة الأدب، في هذا الحوار نلتقي مع صاحبة هذا الإصدار الجديد (ظلٌ ظليلل الكاتبة القديرة رقية تاج، لنُبحر معها في كواليس رحلةٍ بدأت من "نهج البلاغة" وانتهت بتقديم رؤية فكرية وأدبية تستنطق حِكم أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعيونٍ تعيش واقعنا المعقد، يأخذنا هذا اللقاء إلى ما وراء السطور، لنتعرف على تحديات الكتابة عن شخصية هي "باب مدينة العلم"، وكيف يمكن للكاتب أن ينحاز للنور في زمنٍ يسوده الظلام، وصولاً إلى ذاك "العشق العلوي" الذي يحلق في خاتمة الكتاب.
إليكم تفاصيل هذا الحوار الشيق الذي يكشف كيف تتحول الحكمة العتيقة إلى ملاذٍ حيّ للإنسان المعاصر.
1. ما الفكرة الرئيسية التي يدور حولها كتابك الجديد؟
الكتاب عبارة عن مجموعة من الحكم المأثورة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أحاول من خلالها قراءة هذه الكلمات العظيمة بعيون معاصرة، وربطها بحياتنا اليومية في مختلف جوانبها الإنسانية والاجتماعية والفكرية، لنكتشف كيف تبقى حكمه حيّة وصالحة لكل زمان.
2. ما الذي ألهمكِ لكتابة هذا العمل تحديدًا؟
كان الإلهام الأول من نهج البلاغة، هذا البحر الذي لا ينضب، إضافة إلى مجموعة من الكتب التي تناولت شخصية أمير المؤمنين وروعة فكره وبلاغته وعدالته. كلما قرأت له، شعرت أن هناك مساحة واسعة لم تُكتشف بعد في كيفية إسقاط كلماته على واقعنا المعاصر.
3. هل يستند الكتاب إلى تجربة شخصية أم إلى خيال أدبي؟
يضم الكتاب شيئًا من التجارب الواقعية وتأملاتي الخاصة، وقد صغت بعض المواضيع بلغة أدبية، لكنه في جوهره كتاب فكري. وهو يختلف عن كتابَيّ السابقين اللذين كانا مجموعات قصصية ذات طابع خيالي وأدبي.
4. كيف تختصرين رسالة الكتاب للقارئ بجملة واحدة؟
هو إضاءات وتأملات في كلام شخصيةٍ قيل عنها: “دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق”.
5. ما الفئة التي يستهدفها هذا الإصدار؟
الكتاب موجّه إلى مختلف شرائح المجتمع، لكل من يبحث عن المعنى، والسكينة، والبصيرة، باستثناء الأطفال لصعوبة بعض الطروحات الفكرية المطروحة فيه.
6. عن عملية الكتابة… كم استغرق منكِ إنجاز هذا الكتاب؟
الكتاب لم يُكتب دفعة واحدة، بل هو حصيلة مقالات ونصوص وتأملات كُتبت في أوقات متفرقة وعلى مدى فترات متباعدة، ثم جُمعت وصيغت ضمن مشروع واحد يحمل روحًا متكاملة.
7. ما أصعب مرحلة مررتِ بها أثناء الكتابة؟
أصعب ما في الأمر كان الشعور بعظمة الشخصية التي أكتب عنها. فكيف يمكن للمرء أن يُوفي حق من كان باب مدينة علم رسول الله؟ كنت أشعر دومًا أن الكلمات أضيق من أن تحتوي هذا النور، وأنني مهما كتبت فلن أبلغ حقه الكامل.
8. هل كنتِ تكتبين وفق خطة واضحة أم بشكل عفوي؟
كنت أكتب ضمن خطة واضحة ومنظمة؛ لأنني أؤمن أن التأليف الحقيقي لا يولد من العشوائية، بل من تراكم القراءة، والتأمل، والعمل المستمر.
9. هل واجهتِ لحظات شك أو رغبة بالتوقف؟ وكيف تجاوزتِها؟
بالتأكيد، راودتني مرارًا فكرة أن الكتاب يحتاج إلى المزيد من الجهد والمراجعة والوقت، لكنني كنت أواسي نفسي دائمًا بأن “القليل خير من الحرمان”، وأن على الإنسان أحيانًا أن يطلق عمله إلى النور بدل أن يبقيه أسير المثالية.
10. ما أكثر فكرة أو رسالة تحبين أن تبقى في ذهن القارئ بعد الانتهاء من الكتاب؟
أن كلمات أمير المؤمنين يمكن أن تكون ملاذًا حقيقيًا للإنسان حين تعصف به الحياة، وظلًا وارفًا يحتمي به وسط التعب والخذلان والضياع.
11. هل تتوقعين أن يثير الكتاب جدلًا أو نقاشًا؟
نعم، وقد وصلني بالفعل رأي من إحدى القارئات قالت فيه إنني لم أكن محايدة أثناء تناولي لشخصية الإمام أو أحاديثه. وأنا أحترم هذا الرأي، لكنني أرى أن الإمام علي يمثل الحق والعدالة والقيم العليا، فكيف لا أنحاز لهذا النور؟
12. هل هناك فصل قريب جدًا إلى قلبك؟ ولماذا؟
نعم، الفصل الأخير بعنوان “طائر السعادة”.
ويتناول فكرة “الهُما”، ذلك الطائر الأسطوري الذي يرمز إلى الرحمة والحظ والسعادة، ومن يحلّ ظله عليه يصبح ملكًا. أحب هذا الفصل لأن بطله يشبهنا جميعًا؛ إنسان بسيط، مثقل بالأخطاء والهفوات، لكنه كان صادقًا في حبّه وولائه، ولذلك وصل.
13. كيف تصفين تطوركِ ككاتبة منذ أول عمل لكِ حتى الآن؟
ربما كانت تجربتي من ناحية الإنتاج متعثرة بعض الشيء بسبب انشغالات الحياة والعمل، فأنا لست من الكاتبات اللواتي يكتبن يوميًا، لكن القراءة كانت وما تزال رفيقتي الدائمة، وهي التي منحتني البنية الفكرية واللغوية التي أعود إليها كلما عدت إلى الكتابة.
14. من هم الكُتّاب أو الشخصيات التي أثّرت في أسلوبك؟
تأثرت بعدد من الشخصيات في مجالات مختلفة؛ فأنا أحب الأدب الروسي كثيرًا لما فيه من عمق إنساني، وفي المجال الديني تأثرت بالسيد هادي المدرسي، أما في الرواية والأسلوب السردي فكان للكاتب كمال السيد أثر واضح في ذائقتي.
15. كيف توفقين بين حياتك الشخصية والعمل والكتابة؟
بسبب طبيعة العمل، لم يعد القلم رفيقي اليومي كما أتمنى، لذلك أحاول اقتناص أوقات متفرقة خلال الأسبوع أو الشهر لأكتب، وأؤمن دائمًا أن القليل المستمر خير من الكثير المنقطع.
16. كيف كانت تجربة النشر مع هذا الكتاب؟ وما ردود الفعل الأولية التي وصلتكِ؟
الكتاب لا يزال في بداياته الأولى، وأتمنى أن يجد طريقه إلى قلوب القرّاء. والحمد لله، كانت ردود الفعل الأولية مشجعة وجميلة، وأكثر ما يسعدني هو النقد البنّاء؛ لأنني أؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يتوقف عن التعلم والإصغاء.
17. ما مشاريعكِ القادمة بعد هذا الإصدار؟
أفكر جديًا بخوض تجربة الكتابة في أدب الطفل، رغم صعوبتها الكبيرة، لكنها من أكثر العوالم الأدبية نقاءً وتأثيرًا، وأشعر برغبة حقيقية في خوض هذه المغامرة الجميلة.
18. ما النصيحة التي تقدمينها للكاتبات الشابات؟
أسباب الكتابة كثيرة؛ منها التعبير، والشهرة، والهروب من الصمت، لكن الأهم أن يسأل الكاتب نفسه دائمًا: ما الأثر الذي سيتركه بعد رحيله؟
العالم مليء بالكتب التي تتحدث عن الحب والسياسة والمجتمع، لكن الكتابة عن أهل البيت ما تزال قليلة قياسًا بعظمة ما يحملونه من قيم وكنوز معرفية وروحية. اكتبوا ما ينفع الناس، وما يبقى أثره ممتدًا في الأرض والروح.
19. رقية تاج… ماذا يعني هذا الكتاب لكِ على المستوى الشخصي؟
هذا الكتاب ليس مجرد نصوص جمعتها بين دفتي كتاب، بل هو جزء مني، ورفيق لروحي، وظلي الذي احتميت به طويلًا، وكلما عدت إلى كلماته شعرت أنني أعود إلى مساحة من الطمأنينة واليقين.
في الختام نذكر أن بين دفتي كتابها الجديد، تكمنُ محاولة جادة لترميم الروح بكلماتٍ لم يطوِها الزمن، بل صقلها التاريخ لتبقى نبراساً يهدي الحائرين.








اضافةتعليق
التعليقات