لم يكن المشهد استثنائياً. مائدة عامرة، أطباق تتزاحم في صمت، وأيدٍ تمتدّ بقدرٍ محدود، ثم تنسحب. ينتهي اللقاء، وتبقى الأشياء كما هي تقريباً طعام كثير، وشهية أقل، وبقايا لا تجد طريقها إلى أحد.
في تلك اللحظة، لا يبدو الأمر مهماً. يُقال: “زاد خير”، وتُجمع الصحون، وتُغلق الأبواب. لكن ما لا يُرى في هذا المشهد، ليس فقط الطعام الذي لم يُؤكل، بل الحكاية التي لم تُروَ… الحكاية التي تبدأ من نعمةٍ وُضعت بين أيدينا، وانتهت دون أن تُقدَّر كما ينبغي.
ذلك الطبق الذي لم يُؤكل، لم يكن مجرد طعام زائد. كان جهداً، ووقتاً، ومالاً، وربما نيةً صادقة في الكرم. لكنه، في نهاية المطاف، تحوّل إلى شيء فائض عن الحاجة، لا لأنه بلا قيمة، بل لأننا لم نُحسن تقدير الكفاية.
نحن لا نبذّر دائماً عن قصد.
بل أحياناً، نفعل ذلك بدافعٍ يبدو نبيلاً. نريد أن نُكرم ضيوفنا، أن نُظهر الوفرة، أن نُشعر الآخر بالترحاب. لكن بين نية الكرم وسلوك الإسراف، خيطٌ رفيع لا ننتبه له. نُضيف طبقاً آخر “للاحتياط”، ثم آخر “تحسّباً”، حتى تمتلئ المائدة بما يفوق الحاجة، ويبدأ الفائض في التشكّل.
المفارقة أن الامتلاء لا يعني دائماً الرضا.
فالطعام حين يكثر بلا تقدير، يفقد شيئاً من معناه. لا يعود حضورُه دلالة على النعمة، بل يتحول إلى خلفية مألوفة، لا تُثير الانتباه. نأكل دون أن نشعر، ونترك دون أن نتوقف.
لكن، ماذا لو نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى؟ ماذا لو سألنا: ما الذي يمثّله هذا الطعام فعلاً؟
ليس فقط مكوّناته، بل الرحلة التي قطعها. من أرضٍ زُرعت، إلى يدٍ حصدت، إلى جهدٍ طُبخ، إلى مائدةٍ قُدّم عليها. كل مرحلة تحمل قصة، وكل لقمة تختزن تعباً لا نراه. وحين يُترك الطعام، تُترك معه هذه القصة… دون أن تُروى.
في واقعنا اليوم، أصبح هذا المشهد متكرراً إلى حد الاعتياد. في البيوت، في المناسبات، في الولائم الكبيرة والصغيرة. نُنتج أكثر مما نحتاج، ونستهلك أقل مما نُعدّ، ونُهدر دون أن نشعر بثقل الفعل. ليس لأننا لا نُدرك، بل لأننا اعتدنا.
الاعتياد، في كثير من الأحيان، يُخفي المعنى.
يجعلنا نتعامل مع النعمة كأنها ثابتة، لا تزول، وكأن وفرتها مضمونة. لكن الحقيقة أن كل ما بين أيدينا قابل للتغيّر، وأن الشكر لا يكون بالكلمات فقط، بل بالسلوك.
ليس المطلوب أن نُقلّل من كرمنا، بل أن نُعيد تعريفه.
فالكرم لا يُقاس بعدد الأطباق، بل بصدق التقديم، وبحسن التقدير. أن نُقدّم ما يكفي، لا ما يفوق. أن نُحسن التوازن بين الوفرة والوعي، بين الرغبة في الإكرام، والحرص على النعمة.
وماذا عن ذلك الطعام الذي بقي؟ ربما لا يزال هناك ما يمكن فعله.
أن يُعاد توزيعه، أن يُحفظ بعناية، أن يُشارك مع من يحتاج، أو حتى أن يُعاد استخدامه بطريقة مختلفة. ليست الحلول معقدة، لكنها تحتاج إلى انتباه، وإلى قرار بسيط بأن ما تبقى، لا يجب أن يُهمل.
الأمر، في جوهره، ليس عن الطعام فقط.
بل عن علاقتنا بما نملك. عن قدرتنا على التقدير، وعن وعينا بالحدّ الفاصل بين الكفاية والإفراط. عن تلك اللحظة التي نقف فيها أمام ما تبقى، ونسأل: هل كان هذا ضرورياً؟
الطبق الذي لم يُؤكل، لا يصرخ، ولا يُعاتب. لكنه، بصمته، يطرح سؤالاً لا نسمعه كثيراً:
هل نعرف متى يكفي؟ ربما تبدأ الحكاية من هنا.
من إعادة النظر في ما نعدّه، وفي ما نتركه، وفي ما نعتبره “طبيعياً”. من إدراك أن النعمة، حين لا تُقدَّر، تفقد أثرها، وأن الوفرة، حين لا تُدار بوعي، تتحول إلى عبء صامت.
طبق لم يُؤكل… ليس نهاية وجبة،
بل بداية سؤال. وحكاية لم تُروَ…
قد تكون، في انتظار من يُنصت لها… قبل أن تتكرر من جديد.








اضافةتعليق
التعليقات