في حياة الإنسان لحظات تضيق فيها السبل، وتتعثر الخطى، ويقف المرء أمام مشكلة يظن أن لا مخرج منها. وفي تلك اللحظات بالذات، لا يجد القلب ملاذاً أصدق من التوجه إلى الله تعالى، مستعيناً بالأدعية والكلمات التي تبعث في النفس الطمأنينة والسكينة، وتوقظ في الروح معنى اليقين والثقة بالعناية الإلهية. ومن بين الأدعية التي تناقلها الناس جيلاً بعد جيل، وارتبطت في وجدان الكثيرين بالأمل وتفريج الكروب، ذلك النداء المعروف:
“نادي علياً مظهر العجائب، تجده عوناً لك في النوائب، كل همٍ وغمٍ سينجلي بولايتك يا علي يا علي يا علي”.
وربما تكمن قوة هذا الدعاء لا في الألفاظ وحدها، بل في ما يزرعه داخل النفس من يقين، وفي ما يحمله من استحضار لمعاني الشجاعة والإيمان والثبات التي يمثلها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بنصرة المظلوم، وقوة الحق، والثبات في أحلك الظروف.
أذكر أن إحدى الصديقات روت لي تجربة بقيت عالقة في ذهني زمناً طويلاً. كانت طالبة في المعهد الطبي، وقد واجهت اختباراً مصيرياً في الدور الثاني لإحدى المواد الدراسية. كان ذلك الامتحان فرصتها الأخيرة للنجاح، لكن المفاجأة أنها لم تجد ملزمة المادة التي تعتمد عليها في الدراسة. بحثت عنها في كل مكان داخل المنزل، وقلبت الغرف والأدراج دون جدوى، حتى أوشكت على الانهيار من شدة القلق والخوف.
خرجت إلى الامتحان وهي تشعر أن الأمور تسير نحو الأسوأ، وأن الوقت قد خانها تماماً. وعندما وصلت إلى أروقة المعهد، استعارت ملزمة المادة من أحد زملائها، لكنها لم تملك من الوقت إلا دقائق قليلة قبل بدء الاختبار. بدأت تقرأ الفصول الأولى قراءة سريعة، ثم انتقلت على عجل إلى الفصول الأخيرة، وكأنها تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه.
وحين أعلن المراقب بدء الامتحان، أغمضت عينيها للحظة، واستودعت أمرها لله، ثم أخذت تردد ذلك الدعاء بيقين كامل:
“نادي علياً مظهر العجائب، تجده عوناً لك في النوائب…”
دخلت القاعة وقلبها مزيج من الخوف والرجاء، لكنها شعرت براحة غريبة تسللت إلى داخلها. وعندما استلمت ورقة الأسئلة، فوجئت بأن معظم الأسئلة جاءت من الفصول التي قرأتها قبل دقائق فقط. كتبت إجاباتها بثقة، وخرجت من الامتحان وهي تغالب فرحتها ودهشتها مما حدث.
قد يرى البعض في هذه الحادثة مجرد مصادفة، وقد يراها آخرون ثمرة للتوكل واليقين، لكن المؤكد أن الإنسان حين يملأ قلبه بالأمل، ويستعين بالله بإخلاص، تتبدل داخله أشياء كثيرة. فالدعاء ليس مجرد كلمات تقال، بل حالة روحية تعيد ترتيب النفس، وتمنح الإنسان قوة لمواجهة الشدائد بثبات وطمأنينة.
ومنذ أن سمعت تلك القصة، بقي هذا الدعاء قريباً من قلبي. في كل موقف صعب، وفي كل لحظة خوف أو ارتباك، أجده يتردد على لساني تلقائياً، فأشعر براحة وسكينة، وكأن الهم يخف تدريجياً، وكأن القلب يستعيد توازنه من جديد. وربما لا تتحقق الأمور دائماً بالصورة التي نريدها، لكن الدعاء يمنحنا شيئاً لا يقل أهمية عن تحقق الأمنيات، وهو الاطمئنان الداخلي والثقة بأن الله لا يترك عباده وحدهم.
إن أعظم ما يحتاجه الإنسان في أوقات الشدة ليس المعجزة وحدها، بل ذلك اليقين الذي يجعله قادراً على الاستمرار وعدم الانكسار. والدعاء الصادق كان ولا يزال جسراً يصل القلب بالله، يسكب فيه الصبر، ويوقظ فيه الرجاء، ويذكره بأن بعد العسر يسراً، وأن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب المرء.
ولهذا تبقى الأدعية والكلمات الطيبة نوراً يرافق الإنسان في دروبه الصعبة، لا لأنها تغيّر العالم الخارجي فحسب، بل لأنها تغيّر ما في داخلنا أولاً، فتجعلنا أكثر قوة وطمأنينة وإيماناً بأن الله قادر على أن يفتح الأبواب المغلقة في اللحظة التي نظن فيها أن كل شيء قد انتهى.








اضافةتعليق
التعليقات