هناك قانون في علم النفس يقول: إذا شكّل المرء في ذهنه صورةً لما يود أن يفعله، ثم احتفظ بهذه الصورة وتعلّق بها فترةً طويلةً بما يكفي، فإنه يتحول إلى ما تخيله تمامًا.
يقول ويليام جيمس:
حدث ذات مرة أن كانت هناك امرأة تبلغ من العمر نحو ثلاثين عامًا، متزوجة وأمًّا لطفلين. ومثل كثير من الناس، نشأت في منزل يوجَّه إليها فيه الانتقاد الدائم، وغالبًا ما كانت تُعامل بقسوة من قبل والديها. ونتيجة لذلك، ترسخت لديها مشاعر عميقة بالدونية وعدم تقدير الذات. وكانت تتسم بالسلبية والإحساس بالخوف، وفاقدةً للثقة بنفسها تمامًا، خجولةً، وتتوارى عن الأنظار، ولا ترى في نفسها قيمةً أو جدارةً خاصة. كما شعرت بأنها تفتقر إلى أي موهبة.
وبينما كانت تقود سيارتها في طريقها إلى المتجر، عبرت سيارة أخرى الإشارة الحمراء، فاصطدمت بها اصطدامًا عنيفًا. وعندما استعادت وعيها، وجدت نفسها في المستشفى، مصابةً بارتجاج طفيف في الدماغ وفقدان كامل للذاكرة.
كانت لا تزال قادرة على التحدث، لكنها نسيت تفاصيل حياتها الماضية؛ فقد فقدت ذاكرتها تمامًا. في البداية، اعتقد الأطباء أن الأمر سيكون مؤقتًا، لكن الأسابيع مرت دون أن يعود إليها أي أثر من ذاكرتها.
كان زوجها وطفلاها يزورانها يوميًا، لكنها لم تتعرف إليهم. وكانت حالتها نادرة للغاية، حتى إن أطباء واختصاصيين آخرين حضروا لمعاينتها وفحصها وطرح الأسئلة عليها بشأن حالتها.
عادت إلى منزلها في نهاية المطاف، وذاكرتها خالية تمامًا، لكنها عقدت العزم على فهم ما حدث لها. فأخذت تقرأ الكتب الطبية، وتدرس تخصص فقدان الذاكرة بأنواعه، والتقت بمختصين في هذا المجال وتحدثت إليهم. ثم وضعت في النهاية ورقةً بحثية عن حالتها.
ولم يمضِ وقت طويل حتى دُعيت للتحدث في مؤتمر طبي، لتعرض بحثها، وتجيب عن التساؤلات المتعلقة بحالة فقدان الذاكرة التي أصابتها، وتتقاسم مع الآخرين خبراتها وأفكارها حول علم وظائف الأعصاب.
وخلال هذه الفترة حدث أمر مدهش؛ فقد أصبحت شخصًا جديدًا تمامًا. ذلك الاهتمام الذي حظيت به في المستشفى، وما تلاه، جعلها تشعر بقيمتها وأهميتها، وبأنها محبوبة حقًا من عائلتها. ثم جاء الاهتمام والترحيب اللذان استقبلها بهما الأطباء المتخصصون، فزادا من تقديرها لذاتها واحترامها لنفسها.
أصبحت إيجابيةً على نحو لافت، واثقةً بنفسها، لطيفة المعشر، فصيحة اللسان، مثقفة، وكثيرًا ما كانت تُدعى متحدثةً ومرجعًا في المجال الطبي.
لقد انمحت كل ذكريات طفولتها السلبية، كما اختفى شعورها بالدونية. لقد أصبحت شخصًا جديدًا، فغيّرت طريقة تفكيرها، فتغيّرت حياتها.
الصفحة البيضاء
كان الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم أول من اقترح فكرة الصفحة البيضاء، وتقول هذه النظرية إن كل شخص يأتي إلى هذا العالم بلا أفكار أو آراء على الإطلاق، وإن كل ما يفكر فيه أو يشعر به يكون مكتسبًا منذ مرحلة الطفولة فصاعدًا.
وبما أن عقل الطفل يكون صفحةً بيضاء، فإن كل ما يمر به من أشخاص وتجارب يترك أثرًا فيه. ويصبح الإنسان البالغ محصلةً لكل ما تعلمه، وشعر به، ومر به من تجارب خلال مراحل نموه. وما يقوم به الراشدون لاحقًا، وما يصيرون إليه، ليس إلا نتيجةً لهذا التأهيل والتكيف المبكر.
وكما كتب أرسطو: «أيًّا كان ما يتأثر به الفرد، فإنه يعبر عنه».
ولعل أعظم اكتشاف عن الطبيعة البشرية خلال القرن العشرين كان اكتشاف صورة الذات، ومفاد هذه الفكرة أن كل شخص يكتسب مجموعةً من المفاهيم عن ذاته منذ لحظة مولده. وتتحول صورته عن ذاته إلى البرنامج المهيمن في العقل الباطن، الذي يحدد كل ما يدور في ذهنه، وكل ما يقوله، ويشعر به، ويفعله.
ولهذا السبب، فإن كل تغيير يطرأ على حياتك الخارجية يبدأ بتغيير صورتك الذاتية؛ أي يبدأ بتغيير الطريقة التي تفكر بها، ومشاعرك تجاه نفسك وعالمك.
يولد الطفل دون أي صورة عن ذاته. وكل ما لديك، بصفتك شخصًا بالغًا، من أفكار وآراء ومشاعر ومواقف نفسية، هو أمر اكتسبته منذ الطفولة.
إن كل ما أنت عليه اليوم هو محصلة فكرة أو انطباع تبنيته وتقبلته على أنه حقيقة. وعندما تؤمن بأن شيئًا ما حقيقة، فإنه يصبح حقيقة بالنسبة إليك، مهما كانت تلك المسألة، ومهما كانت درجة صحتها.
فأنت لست ما تظن أنك عليه، بل أنت ما تفكر فيه.








اضافةتعليق
التعليقات