في عالمٍ اعتاد أن يقيس العلاقات بقدر ما تمنحه من مصالح، تبدو الأخوّة كلمةً سهلة النطق، لكنها نادرة التحقق. فكثيرون يشتركون في الدم، وقليلون يشتركون في القلب. وكثيرون تجمعهم الأنساب، لكن قلةً منهم تبلغ بهم الأخوّة حدّ أن يصبح وجع أحدهم وجعاً للآخر، ورسالة أحدهم مسؤولية الجميع.
ولعل كربلاء الطف لم تكن ساحةً للبطولة فحسب، بل كانت المكان الذي كُتب فيه تعريف الأخوّة بأحرفٍ من وفاء. هناك لم يكن الامام الحسين وأبي الفضل العباس والسيدة زينب (عليهم السلام) إخوةً لأنهم أبناء بيتٍ واحد فقط، بل لأنهم حملوا همّاً واحداً، وعاشوا لقضيةٍ واحدة، وآمنوا أن الإنسان لا يكتمل إلا حين يجعل من نفسه سنداً لمن يحب.
كانت عقيلة بني هاشم (عليها السلام) تنظر إلى أخويها بعينين مختلفتين؛ ففي الحسين (عليه السلام) كانت ترى الرسالة التي يجب أن تبقى، وفي العباس (عليه السلام) كانت ترى القوة التي تحرس تلك الرسالة. وكان قلبها موزعاً بين أخٍ يحمل أمانة السماء على كتفيه، وأخٍ نذر حياته ليكون درعاً لتلك الأمانة.
ولم يكن ابي الفضل العباس بالنسبة إلى السيدة زينب مجرد أخٍ يجمعها به النسب، بل كان صورةً نادرة للأمان. ذلك النوع من البشر الذين لا يحتاجون إلى الكلام كثيراً، لأن وجودهم وحده يكفي ليمنح الآخرين الطمأنينة. كانت تعلم أن خلف تلك القامة الشامخة قلباً لا يعرف التردد إذا تعلق الأمر بالحسين (عليه السلام) أو بأهل بيته.
وكان قمر بني هاشم بدوره يرى في الحوراء زينب أكثر من أخت. كان يعرف أنها ليست امرأةً عادية في مسيرة كربلاء، بل شريكة في حمل الرسالة، وصوتٌ سيأتي دوره حين تصمت السيوف. ولذلك كان يحرسها بعين الوفاء، لا لأنها أخته فحسب، بل لأنها الأمانة التي سيُكتب لها أن تكمل الطريق بعد الجميع.
غير أن أعظم ما تكشفه واقعة عاشوراء هو أن الوفاء لم يكن حكراً على العباس وحده. لقد كان العباس وفياً للحسين حتى آخر قطرة دم. وكانت السيدة زينب وفية للحسين حتى آخر نبضة عمر.
قمر بني هاشم حمل السيف دفاعاً عنه. وعقيلة الوحي تلقّت المحن صوناً لقضيته.
حامل اللواء وقف بينه وبين الرماح وبطلة كربلاء وقفت بين رسالته وبين النسيان.
وحين نتأمل المشهد من بعيد، نكتشف أن الأخوّة في كربلاء لم تكن علاقة حماية متبادلة بقدر ما كانت علاقة إيمان متبادل. فالعباس (عليه السلام) لم يكن يسأل ماذا سيبقى لي إن ضحيت؟ والسيدة زينب (عليها السلام) لم تكن تسأل ماذا سأخسر إن صبرت؟
كان السؤال الوحيد الذي يسكن قلوبهم: كيف تبقى رسالة الامام الحسين (عليه السلام) حيّة وامتداد الى رسالة جده رسول الله (صلى الله عليه وسلم وابيهم أمير المؤمنين الامام علي (عليه السلام) ولهذا أصبحت الأخوّة عندهم أسمى من رابطة الدم، لأنها ارتبطت بالمبدأ. فكم من إخوة فرّقتهم الدنيا، وكم من أقارب مزقتهم المصالح، أما هؤلاء فقد جمعهم الهدف حتى اللحظة الأخيرة.
وحين سقط حامي اللواء العباس (عليه السلام)، لم تفقد الحوراء زينب (عليها السلام) أخاً فقط، بل فقدت جزءاً من الطمأنينة التي كانت تسير على الأرض. لكنها في تلك اللحظة نفسها تحولت إلى امتدادٍ لذلك الوفاء. وكأن الأخ الذي عاش عمره يحميها، ترك في روحها شيئاً من قوته لتواجه به ما بعد واقعة كربلاء.
وحين استشهد الامام الحسين (عليه السلام)، لم تعتبر أن الطريق انتهى، بل أدركت أن دورها قد بدأ. فحملت ما تبقى من الرسالة، ومضت بها وسط الألم والسبي والمحن، لتثبت أن الأخوّة الحقيقية لا تنتهي بالموت، بل تبدأ بعده حين نحفظ مبادئ من نحب.
لهذا لم تخلّد كربلاء قصة ثلاثة إخوة من بيتٍ واحد، بل خلدت رسالةً إنسانية خالدة.
رسالة تقول إن الأخ الحقيقي ليس من يشاركك الاسم أو النسب فحسب، بل من يجعل نفسه جزءاً من رسالتك، ومن يحمل عنك بعض أعبائك، ومن يبقى وفياً لك في حضورك كما في غيابك.
ولهذا بقيت أخوّة الامام الحسين وابي الفضل العباس والسيدة زينب (عليهم السلام) حيةً في وجدان الأجيال؛ لأنها لم تكن أخوّة دمٍ فقط، بل أخوّة قيمٍ ومواقف ووفاء... والأخوّة التي تُبنى على القيم لا يطويها الزمن أبداً.








اضافةتعليق
التعليقات