• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

غدير خُمّ: العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر

زينب شاكر السماك / الثلاثاء 02 حزيران 2026 / حقوق / 643
شارك الموضوع :

إنه عقدٌ حيّ، يتجدد كل عام في يوم الغدير، ويُعرض على ضمير كل مؤمن قبل أن يُعرض على ذاكرته

أعظم العهود ليست تلك التي تحفظها الأوراق، بل تلك التي تحفظها القلوب وتصدقها المواقف. وفي السماء تكون أقدس المواثيق هي التي تُكتب باليد المرفوعة قبل أن تُخطَّ على الورق. وفي ذلك اليوم الخالد من أيام الرسالة، لم يكن في غدير خُمّ قلمٌ ولا صحيفةٌ تُدوَّن عليها العهود، بل كان هناك ما هو أبلغ من الحبر وأبقى من الوثيقة؛ كان هناك موقفٌ صاغته السماء ليبقى حيّاً في ذاكرة الأمة ووجدانها.

توقف عند هذه الصورة لحظة: لا خطيب على منبرٍ، ولا قاعة فسيحة تقي الناس وهج الشمس، ولا كاميرات توثّق الحدث وتنقله للأجيال. كانت هناك صحراء مترامية الأطراف، وحرارة تلفح الوجوه، وغبار الطريق، وقلوب أنهكها السفر بعد حجة الوداع. ومع ذلك، اختار الله ذلك المشهد البسيط بكل تفاصيله ليكون مسرحاً لأعظم إعلانٍ في تاريخ الأمة، وكأن الرسالة أرادت أن تقول إن الحق لا يحتاج إلى زينة المكان ليبلغ القلوب، وإن المواقف الخالدة تصنعها عظمة المعنى لا فخامة المشهد.

وفي تلك اللحظة المفصلية، رفع النبي (صلى الله عليه وآله) يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمام الجموع وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». كلماتٌ قليلة في عددها، عظيمة في معناها، تجاوز صداها حدود الزمان والمكان. لم تكن مجرد إشادةٍ برجلٍ عرفه المسلمون بالشجاعة والعلم والإيمان، بل إعلاناً عن منزلةٍ استثنائية تجسدت فيها قيم الرسالة ومبادئها.

ومن هنا يمكن فهم سرّ حضور الغدير في وجدان الملايين حتى يومنا هذا. فالقضية ليست مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد في مناسبة سنوية، بل منظومة قيم متكاملة. فعندما يُذكر الإمام علي (عليه السلام)، يُذكر العدل الذي لم يُساوم، والعلم الذي لم يتكبر، والشجاعة التي لم تظلم، والرحمة التي لم تفرّق بين غني وفقير. ولهذا فإن إحياء الغدير لا يقتصر على رفع الرايات وإقامة الاحتفالات، بل يتمثل قبل كل شيء في استحضار تلك القيم وتحويلها إلى سلوكٍ يومي.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالمبادئ التي تتحول إلى واقع. وغدير خُمّ قدّم نموذجاً واضحاً لهذا المعنى؛ إذ ربط القيادة بالفضيلة، وربط السلطة بالمسؤولية، وربط المكانة بخدمة الناس لا بالتسلط عليهم. ولذلك بقي الغدير مدرسةً فكرية وأخلاقية يستلهم منها المؤمنون معاني الوفاء للحق والالتزام بالقيم.

وفي عالمنا المعاصر، حيث تتسارع الأحداث وتتشابك المصالح وتكثر النزاعات، تبدو رسالة الغدير أكثر حاجةً من أي وقت مضى. فالبشرية لا تزال تبحث عن نماذج للعدل والنزاهة والإنسانية، وهي الصفات التي تجسدت في شخصية الإمام علي (عليه السلام) حتى أصبح رمزاً عالمياً للحكمة والإنصاف. وليس من المصادفة أن يقف كثير من المفكرين والكتّاب من ثقافات مختلفة بإعجاب أمام سيرته ومواقفه الإنسانية.

إن الغدير، في جوهره، ليس حدثاً انتهى بانتهاء يومه، بل رسالة متجددة تدعو الإنسان إلى أن يكون منحازاً للحق، أميناً في مسؤوليته، عادلاً في حكمه، ورحيماً في تعامله. ولهذا بقي حاضراً في القلوب قبل المنابر، وفي الضمائر قبل الكتب. وإذا كان العالم قد عرف عقوداً كثيرة ومواثيق لا تُحصى، فإن غدير خُمّ يبقى العقد الذي لم يُوقَّع بالحبر، لكنه كُتب بالإيمان، وحُفظ بالمحبة، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.

وأخيراً، تذكّر:

العقود التي تُكتب بالحبر يمكن أن تتمزق، والمواثيق التي تحفظها الأرشيفات قد يطويها النسيان.

أما العقد الذي كُتب بيدٍ مرفوعة أمام عشرات الآلاف، وخُتم بآيةٍ من القرآن، فلا يُلغى بمرور الزمن، ولا يُدفن في صفحات التاريخ، لأنه لم يُكتب على الورق أصلاً، بل كُتب في القلوب.

إنه عقدٌ حيّ، يتجدد كل عام في يوم الغدير، ويُعرض على ضمير كل مؤمن قبل أن يُعرض على ذاكرته.

فكل غديرٍ وأنت على العهد ثابت، وكل غديرٍ وقلبك معلّقٌ بقيم العدالة والوفاء والحق التي جسّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

الشيعة
الامام علي
الحب
عيد الغدير
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    تضرر مزارعي الأسماك في العراق بسبب نفوق الشبوط وسط مخاوف من التلوث

    النشر : الأربعاء 07 تشرين الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    لماذا الرؤية الواضحة للمستقبل مُهمّة؟

    النشر : الأثنين 18 آذار 2024
    اخر قراءة : منذ 7 دقائق

    وهم الكمال المعرفي: حين يُصبح الجهل متقنَ اللباس

    النشر : الأثنين 17 تشرين الثاني 2025
    اخر قراءة : منذ 8 دقائق

    الكلمة... وتأثيرها في النفس البشرية

    النشر : السبت 31 آب 2024
    اخر قراءة : منذ 8 دقائق

    بوصلة الأخيار

    النشر : الأحد 31 تشرين الاول 2021
    اخر قراءة : منذ 8 دقائق

    الديلفري.. وجبات غير صحية ومصاريف إضافية

    النشر : الثلاثاء 14 شباط 2023
    اخر قراءة : منذ 8 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 491 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 321 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 316 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 304 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 302 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 299 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1060 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1023 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1007 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 961 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 800 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 718 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • الخميس 10 ايلول 2026
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • الخميس 10 ايلول 2026
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • الخميس 10 ايلول 2026
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة