تصدأ الأعين التي تستيقظ كل يوم على مبدأ التسليم برؤية الأشياء النابضة من حولها وتجاهل حقائقها الحيّة، حتى يُعتبر هذا الفعل جريمةً بحق البَصر يودي به إلى مُعتقلٍ قلَّ معرفتهُ جهاراً وكَثُر روّاده واقعاً، وهو مُعتقل"العمى".
فالنظرُ هو فعلُ يحتاجُ به الإنسان إلى شبكية العين التي تستقبل الإنعكاسات اللونية الواسعة من الأسطح المختلفة وذلك في عمليات مُعقدة يكون الفيصل فيها هو الدماغ، حيث لا يُمكن أن نرى لونا مالم يُفسّر الدماغ الطول الموجي المُنعكس من السطح وقابليته على امتصاص بقايا الضوء ليُعطينا في نهاية المطاف اسماً للأشياء وتشخيصاً لكُنهها ووصفاً للونها وشكلها، بل تتعمق المعرفة حتى تصل إلى كيفية التعامل مع ما أبصرته العين وتحديد جنسه واتجاهه وحتى منشأهِ ومنتهاه .. حتى تذهب إلى أبعد نقطة بإدراك إيمانهِ ومعنقدهِ بمجرد رؤيته.
لكنَّ الَبصر لا يعتمد على عمليات العين الناظرة فقط، بل يحتاج إلى العقل الذي يستطيع أن يرى المَنشأ قبل الانعكاس، فاللوحة الكونية التي مايزها الله بملايين التدرجات اللونية الباهرة، لا يُمكن أن يُبصر الإنسان جمالها بقلبه مالم يراها كآية، إذ قال تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ".
وكذا كل الأشياء المُحيطة؛ فآيةُ الألوان بحد ذاتها ما زالت مستعصية الفهم على علماء الفيزياء، حيث بحث أمثال نيوتن ويوهان غوته في القابلية العلمية والفيزيائية لمزج الألوان واستحصال مشتقاتها ما نتج عنها تعامل صناعي واستهلاكي يبتعد كل البُعد عن إبصارها كآية للجمال.
فماذا لو خَلق اللّه لنا كوناً بلا ألوان؟ نرى فيه لوني الحياد فقط بين الأبيض والأسود، وماذا لو سادت خطوط الأشياء دون تفاصيلها الزاهية؟
فكُلُّ حقيقة غائبة تحتاج في ظهورها أن نتطرف في السؤال عن أهميتها وغايتها، وكذا آيات الرب التي ما فتئت تدعونا إلى التفكّر فيها حتى تستطيع العين أن تدركها، فقد يغفلُ العابدُ يوماً عن عبادة البصر والتي تصاغرت في نفسه حتى ظنّ بأنها مستحباتٌ لا وجوب لها في يومه، والتي نتج عن تجاهلها أنفسٌ متذمرة لا تندهشُ من عظمة اللوحة الإلهية لأنها اعتادت بأن لا تراها، فماذا يعني أن نرى سماء تعكس في اتساعها شروقاً وغروباً لا يتسعُ له خيال بشر؟، وماذا يعني أن تخلّد الدقائق واللحظات ولادات متعددة لمخلوقاتٍ لا تُدرَكُ بتعدداها؟، بل لا يعنينا حتى أن نمشي كل يوم في طريق تنسدلُ فيه أغصان الأشجار المتنوعة بحملها من ورق وزهر وثمر، لأننا فقدنا الأصالة البصرية والتي تعني الإلتفات إلى جمالية الأشياء دون الاعتياد على وجودها، فيمكن أن نرى تلك الأصالة بوضوح في أعين الأطفال الذين ينظرون بشعور الانبهار حتى لجدران المنزل والأواني المخبأة بين الرفوف، في حين أن ورقةً واحدة من حديقة المنزل تكفي لتَشُقَّ إبتسامة عريضة على وجوههم تمتلئُ منها ذاكرتهم، فالسعادة التائهة في واقعنا والتي أصبحت ضالّةُ البشرية ..تظهرُ عندما نلحظُ الأشياء العادية بنظرة مُتشافية، وقد يزول العمى شيئاً فشيئاً عندما نسأل في كل يوم.."أين يمكننا أن نرى الجمال في هذه اللحظة؟" ، فرؤية الجمال ليست من مُترفات الحياة بل هي من ضروريات التقوى، حتى يستطيع العبد أن يّشكُر خالقه في كل آن، ولكن يكفي بأن نعي بأن كل جماله جميل، وكفى بذلك دليلا.








اضافةتعليق
التعليقات