ليست بعض التواريخ مجرد أرقام تحفظها الذاكرة، ولا بعض المناسبات مجرد محطات تتكرر في التقويم. ثمة أيام تبدو وكأن الزمن نفسه يتوقف عندها قليلاً، ليقول للإنسان: هنا بدأت حكاية، وهنا امتد أثرها، وهنا اجتمع في يوم واحد معنى البداية ومعنى الاستمرار.
ومن أجمل المفارقات الدالة أن تتزامن ذكرى مولد رسول الله محمد «صلى الله عليه وآله» مع مولد حفيده الإمام جعفر الصادق «عليه السلام»؛ وكأن المناسبة تتيح لنا أن ننظر إلى النور لا بوصفه لحظة عابرة، بل بوصفه مشروعاً ممتداً، يبدأ بالرسالة، ثم يجد في العلم والأخلاق والمعرفة وسائل لحفظ حضوره في حياة الناس.
فالنبي محمد «صلى الله عليه وآله» لم يكن ميلاده ولادة رجل فحسب، بل كان إيذاناً بولادة مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان. جاء في بيئة أثقلتها العصبية، وتنازعتها الجاهلية، فكان أول ما حمله مشروعه العظيم إعادة الإنسان إلى إنسانيته؛ أن يصبح للضعيف حق، وللعلم مكان، وللأخلاق قيمة، وللعدل ميزان، وللعقل قدرة على النظر والتدبر.
لم تكن الرسالة في جوهرها انفصالاً عن الحياة، بل إعادة بناء لها. ولذلك لم يترك النبي «صلى الله عليه وآله» أمة تحفظ الكلمات فحسب، وإنما أراد أمة تفهم المعاني، وتحوّل الإيمان إلى سلوك، والمعرفة إلى مسؤولية، والفضيلة إلى ممارسة يومية.
وبعد أجيال، وفي زمن مختلف وظروف أكثر تعقيداً، يأتي ميلاد الإمام جعفر الصادق، فيكون الامتداد في صورة أخرى: صورة العالم الذي يجعل من المعرفة جسراً بين الإنسان والحقيقة.
وهنا تتكشف دلالة التزامن بصورة أعمق.
فإذا كان النبي «صلى الله عليه وآله » قد وضع الأساس، فإن المدرسة التي ارتبطت بالإمام الصادق «عليه السلام » تمثل جانباً مهماً من حركة التأصيل والتفكير وحفظ المعرفة. لقد اتسعت في عصره دائرة الأسئلة، وتداخلت التيارات الفكرية، وبرزت قضايا لم يكن من الممكن مواجهتها بالشعارات، بل كانت تحتاج إلى علم وحوار وحجة واتزان.
ولهذا يمكن النظر إلى الإمام الصادق «عليه السلام» لا باعتباره شخصية علمية بارزة فحسب، وإنما باعتباره نموذجاً للكيفية التي يستطيع بها العلم أن يحمي الإيمان من السطحية، ويحمي العقل من الضياع، ويحفظ الحوار من التحول إلى خصومة.
إن أجمل ما يمكن أن نستحضره في هذه المناسبة ليس فقط أن رجلين عظيمين جمعهما يوم الميلاد، وإنما أن بينهما خطّاً معنوياً واحداً: صناعة الإنسان.
النبي «صلى الله عليه وآله» يصنع إنساناً يعرف ربه، ويحفظ كرامته، ويؤدي مسؤوليته، ويعامل الآخرين بالعدل والرحمة. والإمام الصادق «عليه السلام » يلفت النظر إلى الإنسان الذي لا يكتفي بأن يؤمن، بل يسعى إلى أن يفهم؛ ولا يكتفي بأن يعرف، بل يتحمل مسؤولية ما عرف.
وهنا يصبح «النور» أكثر من استعارة جميلة. النور هو أن تعرف الطريق، وأن تمتلك البصيرة التي تمنعك من الانحراف عنه. والنور لا يكون نافعاً إذا بقي في الذاكرة وحدها؛ قيمته الحقيقية تظهر حين ينعكس على السلوك، وحين تتحول المعرفة إلى أخلاق، والمحبة إلى اقتداء.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه علينا ذكرى الميلادين ليس: ماذا نعرف عن النبي والإمام؟ وإنما: ماذا غيّرنا في أنفسنا لأننا نعرفهما؟
فقد يسهل أن نحتفي بالذكرى، وأن نملأ الأيام بالكلمات الجميلة، لكن الأصعب أن نمنح تلك الكلمات حياة. أن يصبح الصدق خلقاً، والرحمة موقفاً، والعلم تواضعاً، والاختلاف أدباً، والبحث عن الحقيقة فضيلة لا معركة.
في عالمنا اليوم، حيث تتكاثر المعلومات وتتراجع أحياناً الحكمة، تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحاً. نحن لا نعاني من ندرة ما نقرأ، بقدر ما نعاني من السؤال: ماذا نصنع بما نقرأ؟ ولا تنقصنا الأصوات، بل نحتاج إلى البصيرة التي تميز بين ارتفاع الصوت وعمق الفكرة.
ومن هنا تأتي قيمة أن يجتمع في الذاكرة مولد النبي «صلى الله عليه وآله » ومولد الإمام جعفر الصادق «عليه السلام»؛ فالأول يذكّرنا بأن الرسالة تستطيع أن تغيّر التاريخ حين تبدأ بتغيير الإنسان، والثاني يذكّرنا بأن بقاء الرسالة حيّة يحتاج إلى علم يقرأ، وعقل يتدبر، وأخلاق تحرس المعرفة من الغرور.
إنه إذن ميلادان، نعم، لكنهما في المعنى الأوسع مشروع واحد: مشروع النور الذي يبدأ بالهداية، وينمو بالعلم، ويكتمل بالأخلاق.
وحين نحتفل بهذين الميلادين، ربما يجدر بنا ألا نكتفي بإضاءة المصابيح في الطرقات، بل أن نسأل عن المصباح الأهم: هل ما زال في داخلنا شيء من ذلك النور؟
فالنور الحقيقي لا يُقاس بكمية الضوء من حولنا، وإنما بقدرته على أن يجعلنا نرى الطريق، ونحسن السير فيه، ونضيء لمن يأتي بعدنا.
وهكذا لا يعود الميلاد ذكرى تنتمي إلى الماضي، بل يصبح وعداً يتجدد في الحاضر: أن يولد النور مرة أخرى… كلما وُلد في الإنسان علمٌ يهديه، وخلقٌ يرفعه، وبصيرةٌ تقوده إلى الحق.








اضافةتعليق
التعليقات