حين نتأمل في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله فإننا لا نقف عند حدود حياته في هذه الدنيا فقط بل نفتح نافذة على عوالم سبقت وجود الإنسان على الأرض عوالم كان فيها للنبي صلى الله عليه وآله مقام خاص اختصه الله به.
فقد جاء الإنسان إلى هذا العالم بعد مراحل وعوالم سبقت وجوده فكان قبل الدنيا في عالم الأرحام، وقبل ذلك في عالم الأصلاب وقبلها في عالم الذر وقبل عالم الذر في عالم الأرواح إلا أن الروايات تحدثت عن خلق آخر يختلف عن الخلق المادي وهو الخلق النوري حيث ورد أن أول ما خلق الله هو نور نبيه محمد صلى الله عليه وآله.
ومن هنا تتضح لنا منزلة النبي صلى الله عليه وآله وما اختصه الله به من مقام حتى اصطفاه خاتمًا لأنبيائه وسيدًا لرسله.
النور المحمدي خلقٌ سبق عالم المادة
وردت روايات كثيرة تتحدث عن أن للنبي صلى الله عليه وآله وجودًا نورانيًا سبق وجوده الجسدي في هذا العالم. وهذا لا يعني أنه ليس بشرًا مثلنا بل المعنى أن له خلقًا نورانيًا خاصًا سبق خلقه المادي في الدنيا.
فقد روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: (أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير)
وروي عنه صلى الله عليه وآله: (أول ما خلق الله نوري).
وهذا الخلق النوري يكشف جانبًا من مقام النبي صلى الله عليه وآله، وما اختصه الله به من منزلة وقرب من الله تعالى حتى تجاوز حجب الظلمات وحجب النور كما ورد في المناجاة الشعبانية: (حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ).
وهنا يبرز سؤال مهم ما خصوصية مقام النور الذي بلغه النبي المصطفى قبل خلق السماوات والأرض؟
نجد هذا الجواب في الروايات التي تبين عظمة هذا المقام ومن ذلك ما ورد في كتاب الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال: «انّ الله تبارك و تعالى خلق نور محمّد صلّى الله عليه وآله قبل أن يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار ».
فهذا الحديث يدل بوضوح على أن خلق نبينا الأكرم قد سبق خلق كثير من المخلوقات وأن له مقامًا ووجودًا نورانيًا متقدمًا على عالمنا المادي.
وإذا كان هذا النور قد سبق في الخلق فإن الروايات تشير أيضًا إلى سبق النبي صلى الله عليه وآله في الإقرار بالله ومعرفته فقد سُئل النبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله، بأي شيء سبقت الأنبياء وأنت آخرهم وخاتمهم؟ فقال: انى كنت أول من آمن بربي وأول من أجاب حين أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) فكنت أنا أول نبي قال : بلى ، فسبقتهم بالإقرار بالله.
وبعد الحديث عن المقام السابق على عالم الدنيا يأتينا سؤال آخر: كيف انتقل هذا النور إلى عالمنا وكيف وصل إلى النبي صلى الله عليه وآله؟
وهذا ما تحدثنا عنه الروايات عن انتقال هذا النور في أصلاب الأنبياء والطاهرين، حتى وصل إلى عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وآله فعن أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن قوله عز و جل: (وتقلبك في الساجدين)؟ قال: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي، حتى أخرجه من صلب أبيه، وهكذا تشير هذه الروايات إلى أن هذا النور لم يكن منفصلًا عن عالم الدنيا بل انتقل عبر سلسلة من الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة حتى استقر في صلب عبد الله بن عبد المطلب.
وقد ورد هذه المعنى أيضا في رواية عن أبي عبدالله جعفر بن محمد صلوات الله وسلامه عليه أن قال: نزل جبرائيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله, فقال: (يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صُلبٍ أنزلك , و بطنٍ حملك , و حجرٍ كفلك . فالصلب صلب أبيك عبدالله , والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب وأماحجر كفلك فحجر أبي طالب).
وبعد أن تتبعنا ما ورد في الروايات عن النور المحمدي من سبق خلقه إلى انتقاله في أصلاب الطاهرين حتى ولادة النبي صلى الله عليه وآله يبقى أن نتأمل في دلالة هذا المقام وما يكشفه عن اصطفاء الله لنبيه لإن الحديث عن النور المحمدي ليس مجرد حديث عن مرحلة سبقت عالم الدنيا بل هو حديث عن مقام النبي صلى الله عليه وآله وما اختصه الله به فهو بشر يعيش بين الناس لكنه بشر اصطفاه الله وطهّر أصله وأعدّه لحمل أعظم رسالة.
قال تعالى:﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
فالنبي صلى الله عليه وآله هو المصطفى الذي اختاره الله وهو القدوة التي نهتدي بسيرته ومن كمال اصطفائه أن جعله الله عزوجل أهلًا لحمل رسالة السماء.
فحين نقرأ سيرته الشريفة فإننا لا نقرأ سيرة إنسان عظيم فحسب بل نقرأ سيرة نبي حمل نور الهداية وجاء إلى الدنيا ليؤدي رسالة ربه ويهدي البشرية بنوره .
فصلوات الله وسلامه على من أضاء الله به طريق الإنسانية وعلى آله الطاهرين الذين حملوا نور الهداية من بعده.








اضافةتعليق
التعليقات