إن من عظمة شخصية مولاي أبي الفضل العباس (عليه السلام) بحيث لا يمكن أن تحيط بها الكلمات وهي أكبر من تختصرها العبارات.
ولهذا جاءت كلمات الأئمة (عليهم السلام) لتبين لنا جزءا من مقامه الذي بلغه عند الله عزوجل فحين وقف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عند قبر عمّه العباس وأراد زيارته استهل الزيارة بسلام كله هيبة تليق بهذه الروح العظيمة :
(سلام الله وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصدّيقين، والزاكيات الطيّبات فيما تغتدي وتروح عليك يا ابن أمير المؤمنين).
وهل بعد هذا السلام المهيب دليل آخر على عظمة أبي الفضل العباس؟
الله بعزته وجلاله يسلم عليه… والملائكة وهم العالم الغيبي تسلم عليه… والأنبياء وهم رسل الله في أرضه يسلمون عليه… والشهداء والصالحون يسلمون عليه…. وحتى النفوس الزكية الطاهرة، في غدوّها ورواحها، تتوجه إليه بالسلام…
وهذا السلام من هذه المقدسات والتحيات الطاهرة التي لا تنقطع أبداً والمستمرة والمتجددة على طول الزمن إنما هي تعبير عن خلود ذكر العباس (عليه السلام) .
ثم يكمل الامام الصادق (عليه السلام) سلامه ويقول (وأشهد لك بالتسليم، والتصديق، والوفاء، والنصيحة لخلف النبي المرسل).
عندما نتأمل هذا الترتيب لصفات أبي الفضل العباس تعرف أي روح تخاطب وتسلم عليها . حيث يشهد له الامام الصادق عليه السلام بأرقى درجات الايمان.
التسليم : وهو الطاعة والانقياد التام لأوامر الإمام المعصوم دون أي شك ولا اعتراض من أي نوع إن كان قلبي أو عقلي.
التصديق: وهو اليقين والإيمان المطلق بقضية الإمام الحسين (ع) واليقين بأحقيتها وبصحة أهدافها.
الوفاء: والثبات على العهد والميثاق وإن ذُكر الوفاء فالعباس أرقى مصداق له فلقد جسده بموقفه مع الامام الحسين عليه السلام.
النصيحة: وهنا لا تعني الوعظ بل بمعنى إخلاصه التام في محبة الامام الحسين عليه السلام والاعتقاد بإمامته، والتفاني المطلق في خدمته وطاعته، وتحقيق ذلك بأعلى مراتبه ومستوياته، وهذا هو معنى وأشهد أنك قد بالغتَ في النصيحة فإنّ مبالغته في النصيحة تعني تحقيقه الإخلاص لسيد الشهداء (عليه السلام) بأعلى الدرجات وأرقى المستويات، وجاء في زيارة أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((أشهدُ لقد نصحتَ لله ولرسوله ولأخيك، فنعمَ الأخُ المواسي))، وهذا وسامٌ آخر لأبي الفضل العباس وهو المواساة.
المواساة: مصدر الفعل الرباعي (واسَى) وأصلها من (أَسَوَ) وهي تدل على معاني المداواة، والإصلاح، والمشاركة. فالعرب تقول: أسوتُ الجرح إذا داويته وأصلحته ومنها اشتُقت المواساة.
فكأن العباس هو بلسما يداوي جراح الامام الحسين عليه السلام ، فحينما وصل العباس الماء وأحسّ ببرودته، إغترف غرفة ليشرب، إلا أنه رمى الماء ولم يشرب!!، رغم ألم العطش يقول الراوي: (فلما إغترف غرفة ليشرب، تذكر عطش أخيه الحسين عليه السلام ، فرمى الماء ولم يشرب) وقال فيما روي عنه :
يا نفس من بعد الحسين هوني
من بعده لا كنتِ أن تكوني
هــذا الحسين وارد المـنـون
وتـشـربـيـن بــارد الـمعـين
تالله ما هاذا فعال ديني
فنلاحظ أن السر الذي جعل أبي الفضل العباس عليه السلام يرمي الماء ولا يشرب هو تذكره لعطش أخيه الإمام الحسين عليه السلا ، فقرّر أن يواسي أخيه الامام الحسين عليه السلام حتى في مثل تلك اللحظات البالغة الصعوبة والتي لم يكن الامام الحسين عليه السلام حاضرا معه فيها وكان يستطيع أن يشرب ولكن هذه المواساة الحقيقية في الحضور والغياب .
فلقد سطر العباس عليه السلام أروع الدروس عن قيمة الأخوة لكل الأجيال ، لكن مع الأسف اليوم نرى بعض الأخوة يسقطون في مثل هذا الجانب ، وهذا ما تؤيده القضايا الكثيرة في المحاكم فكم من أخوة فرقت بينهم قطعة أرض أو مبلغ من المال أو خلاف على إرث ورأينا عندها تحولت المحبة إلى خصومات وأصبح الأخ يعامل أخاه وكأنه خصم وليس كأنه صلة رحم قد أوصى الله بها.
ولقد أثنى الامام زين العابدين لموقف العباس عليه السلام وكشف عن مقاماته العالية والمنزلة العظيمة عند الله تعالى والتي وصل إليها من الإيثار والبلاء والفداء والبطولة.
ومن مكانة العباس عنده عليه السلام كان إذا نظر إلى أبناء العباس تخنقه العبرة ويترحم عليه ، وتنقل لنا الرواية أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) نظر إلى عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام فاستعبر ثم قال: (رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عز وجل بهما جناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة).
وقد ورد في زيارة الناحية المقدسة للإمام المهدي (عليه السلام) تسليمٌ وثناء خاص لمواقف أبي الفضل العباس حيث قال :
(السلام على العباس بن علي بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الاخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي له، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن الله قاتليه يزيد بن وقاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي).



اضافةتعليق
التعليقات