كلما تعمقت في الروايات والزيارات التي تحدثت عن خدمة الإمام الحسين (عليه السلام)، أزداُد يقينا بأن هذه خدمة ليست مجرد عادة أو شعيرة بل هي مقام عالي ارتبط بالإخلاص حتى أصبح فخرا يتسابق إليه المؤمنون، وعندما نتأمل في الروايات والزيارات نكتشف بأننا أمام مقام وشرف تتنافس عليه ملائكة السماء حتى تسجل أسماؤها في سجل خدمة الامام الحسين وتتباهى بهذا الوسام والشرف .
ومن يتأمل في كلمات زيارة الناحية المقدسة يدرك أن الامام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) يكشف عن مقام تتباهى به الملائكة إذ يقول: ((السلام على من طهره الجليل، السلام على من افتخر به جبرائيل، السلام على من ناغاه في المهد ميكائيل)).
فأي مقام وصل إليه جبرائيل بخدمة الامام الحسين حتى أصبح يفتخر؟
وكم هو معلوم بأن جبرائيل ليس ملكا عاديا بل هو رئيس الملائكة المقربين، وحامل الوحي، والروح الأمين الذي نزل بكلام الله إلى الأنبياء دون زيادة أو نقصان، ذاك الذي كان يهبط بالرسالة، يأتي هنا ليفتخر بخدمة الحسين (عليه السلام) وهكذا حال بقية الملائكة .
ومن أروع ما نقلته لنا الروايات ما جاء عن أم أيمن رضوان الله عليها، حين دخلت يومًا إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام في يوم شديد الحر، فرأت مشهدًا لا يشبه مشاهد الدنيا
الرحى تدور وحدها
ومهد الحسين يهتز دون أن يمسه أحد
وكفٌّ تسبّح الله قرب كف الزهراء بلا أن يُرى صاحبها
فذهبت متعجبة إلى النبي صلى الله عليه وآله أجابها بسر بيت الزهراء وأن الملائكة هم خدّامه وأن الله عزوجل وكّل ثلاثة من أعظم ملائكته لخدمتها
جبرائيل للطحن
وميكائيل لهزّ مهد الحسين
وإسرافيل للتسبيح
جبرائيل الذي هو أمين الوحي صار يطحن القوت في بيت الزهراء
وميكائيل الموكّل بالأرزاق يهزّ مهد الحسين
وإسرافيل الذي ينفخ في الصور يوم القيامة يقف مسبّحًا عند كفّ فاطمة.
وحين نفهم أن الملائكة قد افتخرت بخدمة أهل بيت النبوة وبخدمة الامام الحسين عليه السلام بالأخص، فلا عجب أن تتحول هذه الخدمة إلى حلمٍ تسعى إليه قلوب المؤمنين في كل زمان.
فمن الناس من قدّم وقتَه
ومنهم من قدّم مالَه
ومنهم من ترك نعيم الدنيا كلها ليحظى بشرف الانتساب إلى خدمة الحسين.
ومن أروع هذه النماذج الأميرة الهندية (تاج دار بهو) فهي مثال ونموذج في واقعنا المعاصر فريد على عشق خدمة الامام الحسين عليه السلام حيث جذبتها كربلاء .
فلقد جاءت الأميرة الهندية من مدينة لكاو في الهند إلى كربلاء لمجاورة مرقد الإمام الحسين والقيام بالأعمال الخيرية عام 1882 م مع زوجها، الذي بنى لها حينها قصراً كبيراً، الذي يعد تحفة فنية في وقته، ولقد جاءت بدافع مجاورة سيد الشهداء (عليه السلام) وهدف خدمة الامام الحسين عليه السلام .
وقد ذكر المعمر المعروف المرحوم الحاج جواد المعمار الذي عاصر الأميرة في شبابه، قال، أنها "كانت تجلب معها في كل عام فرساً ناصع البياض، يوضع عليه جناحان، الأيمن من الذهب والأيسر من الفضة وكلاهما مطعمان بالأحجار الكريمة، ليستعرض هذا الفرس في يوم العاشر من محرم الحرام خلال موكب عزاء الأميرة من (حسينية تاج دار باهو) إلى الصحن الحسيني الشريف ثم الى المخيم وانتهاء بالروضة العباسية حتى يعود إلى الحسينية وبعدها ينزع الجناحان ثم يباعا لتوزيع المبالغ بكاملها على الفقراء والمحتاجين وعلى خدمة الزائرين من خلال إطعام الطعام لكل قادم وخارج من المدينة المقدسة فكانت تطعمهم من أفخر الأطعمة والأشربة التي امتزجت بالنكهة الهندية مثل البرياني الهندي مع البهارات الهندية، وكانت توزع الحليب بالزعفران وبالفستق، أما بالنسبة لقصرها فكان فيه خمس وثلاثون غرفة موزعة على ثلاث طوابق، تتميز بالتصميم الهندسي الجميل من الأقواس والقباب، وفي القاعة الرئيسية كانت توجد المقرنصات المزججة والفسيفساء بجميع الألوان كما تحوي تحفاً وثريات وشمعدانات ومنبراً مصنوعاً من الفضة وكان يعد تحفة فنية وقد كان هذا القصر كله في خدمة زوار الامام الحسين عليه السلام .
وختمت حياتها بما عاشت لأجله فلم تفكر باسمها ولا بميراثها بل أوصت عند وفاتها أن يتحول القصر إلى حسينية باسمها وهي "حسينية تاج داربهو" وهي موجودة حاليا في شارع السدرة قرب حرم الإمام الحسين عليه السلام كما نصت وصية الأميرة على إيواء واطعام الزائرين لمدة ثلاثة أيام مجاناً، وإقامة العزاء الحسيني مع تقديم الطعام في العشرة الأوائل من شهر محرم الحرام، وفي العشرة الثانية من شهر رمضان من كل عام، ويتم الإنفاق من ريع مدخول الوقفية من المحلات التابعة للحسينية، ولا يستلمون التبرعات ولا النذور، فالعائلة هي من تتولى شؤون خدمة الزائرين.
فأرادت أن تبقى خادمة للحسين حتى بعد مماتها ولذلك لم يكن غريبًا أن يكرمها الله عزوجل بأن تُدفن في عتبة المذبح الحسيني داخل صحن الإمام الحسين عليه السلام نعم لقد رحلت الأميرة لكن اسمها بقي يمشي مع الزائرين في طرقات كربلاء إلى اليوم .
ويبقى السؤال الذي يطرق القلوب :
أيُّ سرٍّ أودعه الله في خدمة الحسين عليه السلام حتى تفاخرت بها الملائكة، وتسابقت إليها القلوب من كل مكان في الأرض؟
وهنا يدرك الإنسان أن خدمة الإمام الحسين عليه السلام ليست مجرد عمل عادي بل هو رحمة يضعها الله في قلب من أحبّه لهذا الطريق.
فطوبى لمن وجد له مكانا في هذا الركب المبارك، وطوبى لعمر يُكتب ويختم سجلّه:
(هذا عبدٌ خدم الحسين فأكرمه الله بالحسين).


اضافةتعليق
التعليقات