في إطار السعي لرفع الوعي وتطوير الذات، نظّمت جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية بالتعاون مع معهد السيدة نرجس في مؤسسة أمير المؤمنين (عليه السلام) ورشةً ثقافية في مدينة النجف الأشرف، بعنوان (أعد تنظيم عدستك.. حين يكون الله هو المحور)، وذلك يوم الاثنين الموافق 6/ 7 (المصادف 21 شهر محرم الحرام).
وقد استهلّت مقدمة الورشة، الأستاذة العلوية (والدة محمد رضا الشيرازي)، حديثها بطرح مفهوم "المجهر" كمدخل لفهم خبايا النفس البشرية، متسائلةً: كيف يعمل المجهر (الميكروسكوب)؟
المجهر يقوم بتكبير الأشياء الصغيرة والدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة، والتي قد لا تكون لها تلك الأهمية في الواقع. ولو أن إنساناً أخذ هذا المجهر وبنى حياته على أساس ما يراه من خلاله، فهل سيتمكن من العيش بشكل طبيعي؟
مثال السرير: لو سلطنا المجهر على الفراش، سنرى أنواعاً من البكتيريا والميكروبات المتواجدة عليه. إذا بنينا حياتنا على هذه الرؤية المجهرية، فلن نستطيع النوم؛ لأننا كبّرنا أشياء ليس لها تلك القيمة في الحقيقة.
مثال الماء: لو سلطنا المجهر على كوب ماء نقي نشربه ونهنأ به، لرأينا فيه من البكتيريا ما قد يجعلنا نعزف عن شربه! لكننا الآن نستمتع به لأننا لا نسلط المجهر عليه.
المجاهر الداخلية (النفسية)
داخل كل إنسان منا توجد مجاهر نفسية داخليّة تُكبّر أشياء ليس لها قيمة حقيقية في الواقع. إذا عاش الإنسان من خلال هذه المجاهر، فلن تكون خياراته في الحياة صحيحة، وستتحول هذه الصغائر إلى قضايا تشغل حيزاً كبيراً من ذهنه وتفكيره.
لكي نصحح بوصلة حياتنا، علينا أولاً معرفة هذه المجاهر الداخلية وكيفية إعادة تنظيم عدساتها:
1. مجهر الأنا (الذات)
كلمة "أنا" تتكون من ثلاثة أحرف فقط، لكن أغلب مشاكل العالم تنبع منها!
عندما ننظر للعالم من خلال "مجهر الأنا"، نرى أنفسنا مركز الكون ومركز الحقيقة، وأننا على صواب دائماً والآخرين على خطأ.
في الخلافات (مع الزوج، العائلة، الأولاد، أو الزملاء)، بدلاً من التفكير في حصتنا من الخطأ، نقوم بتسليط المجهر على أخطاء الآخرين فقط.
فرعون قال: "أنا ربكم الأعلى" لأنه ضخّم مجهر الأنا لديه. وفي الروايات، لو لم تكن هناك ثلاثة أمور: (المرض، الموت، والفقر) لادعى كل إنسان "أنا ربكم الأعلى".
2. مجهر الشهوات
الإنسان مزيج من العقل والشهوة. أحياناً يتناسى الإنسان دور العقل تماماً وينظر إلى الدنيا من خلال "مجهر الشهوات" فقط، مما يؤدي إلى الوقوع في المعاصي.
شهوة واحدة تستدرج شهوة أخرى، ومعصية تجر معصية، حتى يغرق الإنسان.
3. مجهر المجتمع (نظرة الناس)
كثير من الناس يبنون حياتهم على أساس "كلام الناس" ونظرتهم. في علم النفس، هناك ثلاث حاجات أساسية للإنسان:
ـــ الحاجة إلى أن يُرى.
ــ الحاجة إلى التقدير.
ـــ الحاجة إلى الانتماء.
هذه الحاجات طبيعية، ولكن المهم هو أين نوجه العدسة؟
الانتماء: يمكن توجيهه نحو الناس والأحزاب، أو توجيهه نحو أهل البيت (عليهم السلام) من خلال الشعائر (كالحج، والشعائر الحسينية والفاطمية).
الرؤية والتقدير: الطفل عندما يخطو خطواته الأولى يحب أن يُرى ويُصفّق له. لكن كبالغين، من الذي نريد منه التقدير؟ هل هو المجتمع وكلام الناس؟ أم الله سبحانه وتعالى والإمام المهدي (عجل الله فرجه)؟
4. مجهر الدنيا
أحياناً ننظر إلى الحياة وكأن الدنيا هي كل شيء، وكأننا خُلقنا لأجلها فقط. الروايات الشريفة لا تحقر الدنيا لذاتها، بل تبين حقيقتها وحجمها الحقيقي:
يقول القرآن الكريم: "وَمَا مَتَاعُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ".
يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) الدنيا في نهج البلاغة قائلاً: "وإن جانباً منها اعذوذب وحلا، أمرّ منها جانب فأوبى"؛ أي أنك لا يمكن أن تعيش فيها مرتاحاً بالكامل، إذا حلا لك جانب، سيأتي جانب آخر يمرضك ويزعجك، وعلينا الاستعداد دائماً لتقلباتها.
وفي موضع آخر يقسم (عليه السلام): "والله ما دنياكم عندي إلا كسفرٍ على منهل حلوا، إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا"؛ الدنيا كمسافرين نزلوا في محطة استراحة، وما إن وضعوا أمتعتهم حتى صاح بهم المنادي بالرحيل (الموت).
ويتابع (عليه السلام) في وصف لذاتها: "ولا لذاذاتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقاً، وعلقم أتجرعه زُعاقاً، وسم أفاعٍ أُسقاه دِهاقاً"؛ هذا هو حجم الدنيا ولذاتها في عين الزاهد الحقيقي كأمير المؤمنين، فهي لا تساوي شيئاً مقارنة بالآخرة.
واختُتمت الورشة بالتأكيد على أهمية المراجعة المستمرة للنفس وإعادة ضبط "العدسة الداخلية" التي ينظر الإنسان من خلالها إلى ذاته والآخرين والحياة، بما يسهم في ترسيخ الوعي، وتعزيز التوازن النفسي، وبناء شخصية أكثر بصيرة وقدرة على اتخاذ المواقف السليمة بعيدًا عن تضخيم الأنا أو الانسياق وراء الشهوات وضغوط المجتمع أو الانشغال المفرط بالدنيا. كما شددت المحاضِرة على أن تهذيب النفس والارتباط بالقيم الإيمانية يشكلان الأساس في الوصول إلى حياة أكثر استقرارًا وطمأنينة، سائلةً الله تعالى أن يمنّ على الجميع ببصيرة القلوب وصلاح السريرة وحسن العاقبة.








اضافةتعليق
التعليقات