كلما ذُكر الوفاء كان العباس (عليه السلام) شاهداً، وكلما مروا على التضحية والفداء كان الأنموذج الأول الذي يُحتذى به. نعم، إنه العباس بن علي (عليه السلام)، الرمز الخالد للبطولة والشجاعة الاستثنائية. لم تكن فروسيته مجرد قوة بدنية، بل كانت تجسيداً حياً للتربية الصالحة، والثبات على المبدأ، والإيثار الذي تجلى في أبهى صوره. لقد جمع بين هيبة القائد "المُقدّم والصنديد" الذي يهزّ وجوده الميادين، وبين نبل الروح وعمق البصيرة، ليظل اسمه عبر التاريخ عنواناً لكل تضحية عظيمة.
وأمام هذه العظمة، يبرز تساؤل: كيف يختار رجلٌ كهذا زوجةً صالحة تشاركه الوفاء والتضحية؟ وأيُّ امرأة تليق بأن تكون زوجةً للعباس (عليه السلام)، وماذا كان دورها في معركة الطف؟
البيئة والنشأة: قرابين في طريق الرسالة
تذكر الروايات التاريخية أن أبا الفضل العباس (عليه السلام) لم يتزوج بغير امرأة واحدة، وهي السيدة لبابة بنت عبيد الله بن العباس. كانت من سيدات عصرها، وأفضلهن نسباً، وطهارة، وعفة؛ فهي تنتمي إلى صميم البيت الهاشمي.
والدها: عبيد الله بن العباس، الذي كان والياً على اليمن من قِبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
والدتها: السيدة الجليلة أم حكيم بنت خالد بن قارظ الكنانية، وكانت من أوفرهنّ عقلاً، وقد فُجعت بمقتل ولديها الصغيرين (عبد الرحمن وقثم) ذبحاً على يد "بسر بن أرطأة" —أحد قادة معاوية— في حادثة أليمة أبكت البيت الهاشمي، ودعا فيها الإمام علي على القاتل بسلب عقله.
نشأت السيدة لبابة في بيئةٍ واجهت الفكر الأموي، وقدمت القرابين من أجل حفظ الرسالة المحمدية، حتى اكتملت تلك التضحيات في كربلاء، حيث تجلت معركة الفكر والمبدأ والعقيدة، والتي انتهت بمرارة السبي.
وقد وقفت السيدة لبابة مع زوجها العباس في كربلاء موقفاً شجاعاً ونبيلاً؛ فآزرته وساندته، وكانت معه خطوة بخطوة في مسيرة نصرة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).
هل كان العباس بحاجة إلى "تشجيع"؟
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كان العباس بحاجة إلى زوجة تشجعه لنصرة أخيه؟
الجواب يكمن في البناء الداخلي لشخصية العباس؛ فالشخصيات التي تبلغ درجة عالية من الوعي الإيماني (كما وصفه الإمام الصادق عليه السلام: "كان نافذ البصيرة، صلب الإيمان") تكون دوافعها نابعة من قناعاتها الراسخة ومنظومتها القيمية الخاصة، لا من محفزات خارجية. وفي حالة العباس، كان ارتباطه بالإمام الحسين (عليه السلام) يتجاوز رابطة الأخوة العادية، ليصل إلى مستوى ارتباط "المأموم بإمامه"، وهو التزام نابع من صميم عقيدته.
أما من الجانب الاجتماعي، فإن البيئة الداعمة والمحيط الأسري الذي نشأ فيه العباس كانا يهدفان إلى تعزيز الالتزام بالحق والتضحية. لذا، لم يكن الأمر "تشجيعاً" بمعنى التحفيز المباشر لفعل شيء يتردد فيه، بل كان وجود الزوجة الواعية والأسرة الصالحة جزءاً من منظومة "الاستقرار النفسي" التي تسمح للبطل بالتركيز على رسالته الكبرى؛ حيث يمنح البيتُ السكينةَ التي يحتاجها القائد ليستجمع قواه قبل خوض المعارك الفكرية أو الميدانية.
بمعنى آخر: لم يكن العباس بحاجة إلى "تشجيع" بالمعنى التقليدي (أي دفعه لفعل ما لا يرغب فيه)، بل كان يعيش في بيئة تُقدّر معنى التضحية، وهذا بحد ذاته يمثل توفيراً للبيئة المناسبة التي تسمح للرجل صاحب المبدأ بأن يمضي في طريقه دون عوائق عاطفية أو أسرية، بل يجد في أهله سنداً يشاركه هذا الإيمان.
ما بعد الفاجعة: مقارعة السلطة
بعد استشهاد زوجها، لم ينتهِ دور السيدة لبابة، بل استمرت تقارع السلطة وتقاسم السيدة زينب (عليها السلام) المصائب والألم. وقد ذكرت بعض المصادر أنها رافقت السيدة زينب في رحلة السبي إلى الشام وحتى العودة إلى المدينة المنورة، مساهمةً في إكمال أهداف الثورة الحسينية بنشر مظلومية أهل البيت. وفي رواية أخرى، يُذكر أنها بقيت في المدينة المنورة تؤازر أم البنين (عليها السلام).
أبناء السيدة لبابة
تضاربت الروايات التاريخية في تحديد عدد أبنائها، وثمة مساران في نقل ذلك:
المشهور عند علماء النسب: أن للعباس ولداً واحداً عقب منه وهو (عبيد الله)، وانحصر عقب العباس فيه من ولده (الحسن). وكان عبيد الله من كبار العلماء، موصوفاً بالجمال والمروءة، وقد تولى الإمام زين العابدين (عليه السلام) تربيته ورعايته إجلالاً لموقف والده العظيم.
رواية أخرى (كتاب إقبال الأعمال): تذكر أن السيدة لبابة أنجبت للعباس خمسة أولاد وبنتاً واحدة، وهم: (الفضل، عبيد الله، الحسن، القاسم، ومحمد).
رحيلها نحو جنة الوفاء
لم تطل الحياة بالسيدة لبابة بعد واقعة الطف؛ نتيجةً لعظم المحنة وعمق المصيبة والصدمة التي حلت بها. فكانت تبكي ليلها ونهارها حتى اشتد عليها المرض.
توفيت السيدة لبابة في المدينة المنورة (سنة 63 للهجرة) —أي بعد استشهاد العباس بسنتين فقط— وكان عمرها الشريف يتراوح بين 25 إلى 28 سنة، لترحل إلى ربها صابرة محتسبة.
إن سيرة السيدة لبابة —على قلة تفاصيلها في بطون الكتب التاريخية— تسلط الضوء على عظمة هذه المرأة ودورها المميز في تاريخ الثورة الحسينية، ويكفيها فخراً أنها كانت شريكة حياة لـ "قمر بني هاشم"، وأماً لنسلٍ ملأ الدنيا علماً وفضلاً.








اضافةتعليق
التعليقات