في عصرٍ تتزاحم فيه المفاهيم وتتلاشى فيه البوصلة الأخلاقية وسط ضجيج الماديات، تجيء مسيرة الأربعين المباركة لتكون مظهراً جلياً وتجسيداً حياً لكيفية إقامة الله عز وجل الحجة على جميع عباده في هذه الأزمنة الممتلئة بالتحديات والافتتان.
فلو لاحظنا لوجدنا أن الأربعين ليست مجرد مظاهرة بشرية، بل هي نداء يتردد صداه عبر التاريخ ليصل إلى أقصى بقاع الأرض دافعاً الملايين نحو قبلة الأحرار، كربلاء .
لقد أقامت مسيرة الأربعين حجة على العالم، فالتجربة العاشورائية والمسيرة الأربعينية باتت صرحاً رسالياً يشهده العالم بأسره، إذ ترفع الحجب وتكشف الحقائق بلا تزويق ولا إعلام زائف.
وحين يجتمع العشاق من كل حدب وصوب، ينكشف للجميع جلياً أين يتجلى الحق وأين يكمن جوهر الإنسانية.
كأنها أصبحت البوصلة الإلهية فهي حجة قائمة على كل إنسان منحه الله العقل والمشاهدة، ليرى بأمّ عينيه نموذجاً مصغراً لمجتمع العدل والمحبة والتضامن.
فلم تعد كربلاء موئلاً للمسلمين أو الشيعة فحسب، بل أضحت حريّة تهوي إليها أفئدة الشخصيات الأجنبية والمفكرين وأصحاب الديانات والمذاهب المختلفة من كل أنحاء العالم.
فنرى كأنهم اكتشفوا ذاتهم للتو وصححوا الرؤية فكم من شخصية قادمة من مجتمعات مغايرة وجدَت في كربلاء ذاتها المغتربة، وتجلت أمامها الرؤية الناشئة عن البساطة والتضحية والنقاء.
وتكتسح هذه المسيرة القلوب قبل الأجساد، فكم من أناس كانوا يسيرون في مسارات ملتبسة أو خاطئة، وما إن وطأت أقدامهم طريق المشاية وذاقوا طعم الخدمة والتواضع، حتى حدثت في نفوسهم انعطافة جذرية ونقلة نوعية نحو الصلاح والخير.
«إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة» — كلمة لا تزال نابضة بالحياة، تؤكد أن الحسين (ع) ما زال يقدم وعطاء عاشوراء لم ولن تنضب بل هي رسالة متجددة تُحيي النفوس الميتة وتوقظ الضمائر الغافلة.
يأتي السؤال هنا ماهي مسؤوليتا تجاه الرسالة؟
الثبات والترقي الإيماني
إذا كانت عاشوراء والأربعين تُقيم الحجة على الآخرين، فإنها تضع على عاتق أتباع ومحبي الحسين (ع) مسؤولية مضاعفة وعظيمة، تتمثل في نقطتين أساسيتين:
أ. الثبات على النهج
إن العاطفة الحسينية هي المحرك الأول، لكن الاستمرارية تتطلب ثباتاً عقائدياً وأخلاقياً يحمي الإنسان من التقلبات والاهتزازات أمام فتن العصر.
ب. إصلاح الذات والوصول إلى المراتب العالية
لا يكفي أن نرفع شعار الحسين باللسان فقط، بل يجب أن نكون دعاةً إلى آل محمد بغير ألسنتنا:
العمل على النفس: تزكية الأخلاق، والابتعاد عن الرذائل، وتجسيد قيم الصدق، والأمانة، والإيثار، والتواضع.
إضافةً إلى ارتقاء السلوك: فالوصول إلى مراتب إيمانية وإنسانية سامية تعكس الصورة المشرقة لأتباع الحسين، ليكون المحب رمزاً للخير في مجتمعه.
وأن نكون الخادمين الحقيقيين للرسالة الحسينية عبر نقل أهدافها السامية بالعمل الصالح، والعلم النافع، والسلوك القويم.
تبقى مسيرة الأربعين شعلة إلهية لا تطفأ، نرى فيها رأي العين كيف يمتد لطف الله ليدل العباد على الحق والخير. وإن أثر الحسين (ع) مستمرٌ يتحدى الزمان، والمطلوب منا اليوم أن نجعل من أرواحنا وسلوكنا سفيراً لهذه الرسالة الخالدة، لنسهم في بناء الإنسان وتأهيله ليكون لائقاً بحمل هذا الاسم العظيم والانتماء لمدرسة سيد الشهداء.








اضافةتعليق
التعليقات