إذا ما حددنا معنى السلام الداخلي، وعلمنا شعورًا مقرونًا بالرضا عن الذات ووجود موقف تفاؤلي في كل أوضاع الحياة، حيث إنه يجذب التغيرات الإيجابية ويواصل في السعي لإيجاد وتنفيذ طرق الفوز أو إيجاد نتيجة مرغوبة بغض النظر عن الظروف، وهذا المفهوم يعكس السلبية والانهزام واليأس، وأن التفاؤل والأمل أمران حيويان لتطوير الذات للوصول إلى سلام نفسي صحيح.
والسؤال عن السلام الداخلي يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة ليس شيئًا "نُعثر عليه" فجأة… بل حالة تُبنى تدريجيًا، مثل بيت يحتاج أساسًا وصبرًا. منذ لحظة الاستيقاظ الأولى صباحًا، قد يجد البعض أنه مربك ومشتت الأفكار لديه مهام كثيرة عليه إنجازها، لكنه يجد نفسه غير قادر أن يضع خطة معينة لترتيب وإنجاز تلك المهام بصورة ترضيه، لذلك يدخل في دوامة الفوضى وشعوره بعدم الرضا والشعور بحالة من التوتر والانزعاج، وقد ينتهي يومه على هذا الحال إذا لم يتمكن من الوصول إلى شاطئ الاطمئنان الداخلي.
لأن الوصول إلى السلام الداخلي لا يأتي من الخارج، بل من طريقة تعامل الشخص مع ما يحدث بداخله بما يريده هو، فطريقة تعامله مع مشاكله أو الأمور الشائكة، وبدلًا من لعنها يتعامل معها على أنها مشكلة قابلة للحل.
وقد أكد المختصون أن أغلب القلق ليس بسبب الواقع، بل بسبب التفكير المفرط. والاهتمام بسرعة إنجاز المهام، حيث يُلاحظ أنه يعيد نفس الأفكار، ولا يتمكن من تقليل الضوضاء الداخلية، والتركيز على إيجاد حل للمشكلة.
إذ لا بد من التمييز بين ما أجد له حلًا أو قادر على إنجازه أو أستطيع القيام به على أكمل وجه، ويسأل: هل هذا الشيء بيدي أم لا؟
ما ليس بيده… يتركه، لأن مقاومته لن تغيّره، بل تركه للأيام القادمة قد يكون متاحًا ولا يتطلب جهدًا إضافيًا.
قال الله في كتابه الكريم: {إن الإنسان خُلق هلوعًا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا}. الآيات (19-21). تبين لنا الآية الكريمة جزع الإنسان وعجالته.
كثير من التوتر يأتي من رغبتنا بأن تكون الحياة مثالية خالية من المشاكل. والحقيقة لا توجد هناك حياة مثالية كاملة، فالمؤمن في حالة اختبار دائمة، وإلا كيف يميز الله الخبيث من الطيب في كل عملٍ ويمتحن صبره. والحقيقة لا يوجد تكامل حقيقي. فلا هو كامل ولا الناس، ولا الظروف.
والرضا بالواقع لا يعني الاستسلام، بل يعني عليه أن لا يستهلك طاقته في مقاومة ما لا يمكن إنجازه أو تغييره. ومن الأمور ذات الأهمية البالغة هي تنظيم الحياة اليومية، لأن العشوائية تولد قلقًا وإرباكًا. أشياء بسيطة قد تعيد له السلام الداخلي، نوم منتظم، بعض التدريبات تساعد على السكون النفسي، مثلًا وقت هادئ يوميًا (حتى 15 دقيقة)، تقليل المشتتات وعدم قضاء وقت طويل للتصفح في وسائل التواصل الاجتماعي.
أسباب قد تبدو بسيطة، ولكن لها تأثير كبير وتحدث فرقًا حقيقيًا. السعي للنجاح الأسرع والإنجاز والأفضل، وإذا كان هو هذا المعيار الذي يضعه الفرد نصب عينيه، فلن يهدأ أبدًا. وعليه إعادة تعريف النجاح والسلام الداخلي حين يوازن بين الطموح والرضا.
العزلة وتأثيرها السلبي على النفس:
يعد الهروب من الواقع إلى العزلة صعوبة أخرى تواجهها النفس، حيث يظن الفرد أن العزلة والابتعاد عن الاختلاط هو من النجادات الحقيقية لعبور مرحلة ما من أزماته، ولا بأس يحتاج أحيانًا أن يجلس بهدوء دون أي مؤثرات، ولكن يجب أن يضع في حساباته أن العزلة الواعية هي ما ينشدها وليس الهروب، لذا عليه أن يجد حلًا للمشكلة، وفهم نفسه ولما يحتاجه وما يترتب عليه من تحقيقه في المرحلة القادمة، هنا يجد العزلة كانت مثمرة وخرج بنتائج جيدة.
كما أن من العادات الجيدة التعامل مع المشاعر بدل كبتها، يسمع في داخله مسببات الحزن، والخوف، ويتعامل معها ليست أعداء، بل على أنها مشاكل قابلة للحل، وحينها سيدخل في سلام نفسي، أما إذا تجاهلها، تتحول إلى توتر دائم. كما من المسلمات الأكيدة يشعر الإنسان بالسلام الداخلي بشعوره أن لحياته معنى، أي يكون قادرًا على العطاء، هدف شخصي، خدمة الآخرين، بدون معنى، يبقى القلق مفتوحًا، فالعطاء من السمات التي تحقق السلام الداخلي للنفس.








اضافةتعليق
التعليقات