إن من هوادم الحياة عامة وضياع الفرد؛ الفساد في جميع صوره وأشكاله وأنواعه، وهو سبب كل نقمة وأساس كل بلية، وعنوان كل شقاء. والفساد كلمة ذات مدلولات واسعة ومتعددة، وقد تعني فساد الفرد أو الجماعة أو الفساد المادي بمدلوله العام والواسع، أو السرقات الفردية والجماعية التي تشكل تجاوزاً خطيراً على حقوق الآخرين.
ولابد أن نذكر أشد أنواع الفساد، هو فساد الذات أو النفس، وهو ما لا يتعلق بالجانب المادي بقدر ما يتعلق بالجانب الروحي، قال الله تعالى: (ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) {الأعراف:٥٦} .
إنما تضعنا هذه الآية الكريمة في أهمية صلاح الأمة بصلاح المؤمنين أنفسهم. فالفساد في الأرض إنما ظهر بسبب ذنوب العباد، ومعاصيهم، ومخالفتهم لشرع ربهم، ولو استقاموا على الهدى والحق لنالوا الخير، ومن المقرر شرعا أن الإسلام دين ودنيا عقيدة وشريعة وأخلاق وسلوك ومعاملة وأنه جاء ليصلح الأرض ويهدى الناس إلى سبل الخير والفلاح في الدنيا والآخرة.
فكل منا يمكنه أن يكون من خيار الناس، كما يمكن أن يكون من شرارهم - والعياذ بالله - فهؤلاء الأشرار الموجودون في المجتمع والذين بقوا كذلك. حتى آخر عمرهم كانوا أناساً أيضاً، ولكنهم لم يريدوا الصلاح، ولا استعانوا بقدرة الله تعالى لإصلاح ما فسد منهم، فاستمروا على ما هم عليه. لذا إن الإنسان بحاجة إلى الدعاء والتوجه لله في استصلاح نفسه. كما قال الإمام علي بن الحسين (سلام الله عليه) في أحد أدعيته:
(واستصلح بقدرتك ما فسد مني). ولأن الفساد ينخر المجتمعات وهو سبب من أسباب تأخر الأمم لما يتبعه من آثار هدم المؤسسات الدولة وقتل المبادئ الأخلاقية للإنسان من الداخل، ربما لا تظهر آثاره بسرعة، وقد يتلذذ العاصي بالمعصية، ينتشي الظالم بما يقوم به من قهر للآخرين وحرمان من الحقوق وتعدٍ على الممتلكات ولكنه لا يدري ما يخبئه له القدر، وما يبتليه الله، وما يحصل له في قادم الأيام كما حصل لبقية الأمم.
يقول قائل لقد أودع الله تلك المشاعر والأحاسيس والغرائز، والنفس أمارة بالسوء ونحن بنو البشر ضعفاء؟! و يعد هذا القول منافياً مع كتاب الله فقد أودع الله تلك المشاعر والغرائز، والأحاسيس ليعيش المرء مستمتعا بحياته وأحواله، دون الإضرار بغيره من البشر، ولذلك لم يترك له حرية التصرف وإطلاق للشهوة والغريزة بل ضبطها الشارع وقيدها وفق منظومة من الأحكام التي تربي النفس وتزكيها وتبعدها عن الطمع والجشع في تجارب حيوانية من شأنها أن ترسخ مفهوم القوة والغطرسة، على كل قيمة عالية ومبدأ سام. والفساد ملة واحدة فليس هناك اختلافات، هناك محظور وآخر محبوب، وآخر بات ضرورة.
قد يخطئ الإنسان وهذا وارد جدا ولا يعاقب على خطئه قبلا، يأتي التذكير بالأمم التي أصابها العذاب بعد أن أصرت على المعصية، وبعد أن عارضت أنبياءها، واستمرأت المعصية واستخفت بالكتب المنزلة، فهناك فسحةً ووقت للتأمل والمراجعة والمحاسبة، ثم يأتي النهي الشديد وبيان آثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، فإذا تاب الإنسان من ذنبه قبل الله توبته، وإذا تجاهل كل ذلك فلا يلومن إلا نفسه مما أصابه وما سيصيبه، لأن الله تبارك وتعالى وضع لكل معصية عقاب، فكيف لو كانت المعصية تتسبب بتدهور وصلاح أمة. وإن الحاجة إلى الإصلاح من الأمور الملحة في حياة الفرد والأمة.
ولأن الفساد ينخر المجتمعات وهو سبب من أسباب تأخر الأمم لما يتبعه من آثار هدم لمؤسسات الدولة وقتل المبادئ الأخلاقيه للإنسان من الداخل ربما لا تظهر آثاره بسرعة إذ لابد للمسلم أن يكون صالحا ومصلحا في مجتمعه، ونفسه، وبين سعي بكل ما يستطيع إلى إغلاق أبواب الشر والإفساد، ويسعى للخير.
بل على المسلمين أن يسعوا لإصلاح قلوبهم، وإصلاح أعمالهم وسيرتهم الحياتية لأن فيها تقدم أمتهم، إصلاحاً ينبعث من قلوب مخلصة، وأنفس مؤمنة، أنفس تدعو للإصلاح وتنادي به لا تسعى للإصلاح وتنادي به ويبقى مجرد شعارات جوفاء، ثم يمارس الفساد، ويعاقر الفسق، ويستمر الظلم، فأولئك عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة.
ولن ينصلح حال المجتمع الإسلامي إلا بقطع دابر الفساد فلابد من إثارة روح التأمل ومحاسبة النفس والتفكر بأي عمل من شأنه يساهم في اعلاء شؤون الأمة.








اضافةتعليق
التعليقات